الصورة و إشكالية القراءة لوحة العشاء الأخير للرسام ليوناردو دا فنشي نموذجا / بقلم: ذة. الزوهرة الجهاد / المغرب


المحاور الأساسية

تقـديـم

المبحث الأول: مفهوم الصورة و وظائفها.

المبحث الثاني: نظرية التلقي: المفهوم والأسس النظرية والمرتكزات المنهجية.

المبحث الثالث: الصورة و إشكالية القراءة: لوحة  “العشاء الأخير ” للفنان الايطالي الكبير ليوناردو دافنشي نموذجا                              

خاتمـة

**********

الصورة وإشكالية القراءة

تقديم:

           قال أرسطو “إن التفكير مستحيل من دون صور” ونحن بدورنا نقول أنه لا يمكن أن تتصور حياتنا اليومية من دون صورة، فالصورة ترافقنا في كل مكان وتحضر في كل لحظة من لحظاتنا. إننا نعيش في زمن الصورة و في حضرة “حضارة الصورة” كما يقول الناقد الفرنسي رولان بارث، ذلك لأنها أصبحت مرتبطة بكل جوانب حياة الإنسان على نحو لم يسبق له مثيل بل الأكثر من هذا أصبحت للصورة سلطة كبيرة فتحولت من أيقونة أو رسم فوتوغرافي يؤشر على موضوعه في علاقة  مماثلة إلى سلاح تقني وتعبيري يستهدف النفاذ إلى الذوات والتأثير عليها.

 وقد كان للتطور التكنولوجي والتحولات السريعة في تقنية الإتصالات والإندماج الكامل بين الوسائل الإعلامية أثر بالغ في تصاعد نفوذ الصورة وتزايد تسلطها في جميع المجالات، فهي حاضرة بنفوذها في الفن والصحافة وفي الأسواق والشوارع وعبر وسائل الإعلام، كما أنها تعانق قاعات العروض التشكيلية والسينمائية والمسرحية وتوجد في بطاقات الهوية وأجهزة الحاسوب والهواتف  المحمولة وعبر شبكات الانترنيت وفي الملاعب الرياضية وفي صناعة النجوم والسياسيين.

          ونظرا لأهمية الصورة كنسق ثقافي تواصلي آثرنا مقاربتها في بعض جوانبها المتعلقة بمفهومها و وظائفها والعلاقة التي تنسجها مع المتلقي وما تثيره من إشكاليات لديه في قراءتها.

وعلى هذا الأساس قسمنا محاولتنا  الدراسية هذه – كأسلوب إجرائي ـ إلى ثلاثة  مباحث:

    مبحث أولي:

يقف على مفهوم الصورة  و وظائفها.

    مبحث ثان: يعالج علاقة  الصورة بالقارئ على ضوء نظرية التلقي عند مدرسة  كونستانس الألمانية والتي يعد هانس روبير ياوس وفولفغانغ ايزر  ابرز روادها وكذلك  الأسس الإبستيمولوجية  و المنهجية التي قامت عليها هذه النظرية.

مبحث ثالث: يقف على العلاقة التي ينسجها القارئ مع الصورة في عملية القراءة و ما تثيره هذه العلاقة من صعوبات وتحديات للقارئ دللنا  عليها بلوحة  “العشاء الأخير ” للفنان الايطالي الكبير ليوناردو دافنشي.

 و ذيلنا محاولتنا هذه بخاتمة عن إمكانية قراءة الصورة، الا أن هذه الأخيرة قد تكون ذات حضور مشاكس فتتمنع على القارئ وتستعصي عليه لترتفع حدة قلقه وتوتره أمامها.

المبحث الأول:

مفهوم الصورة و وظائفها:

1- مفهوم الصورة :

يكاد يكون هناك إجماع على صعوبة تحديد مفهوم الصورة و ذلك لتعدد المصطلحات التي جعلت هذه الكلمة ذات دلالات مختلفة مرتبطة بالأدب و بجمالية اللغة  و بالإبداع الفني بشكل عام.

        لغة و عندما نطالع المعاجم اللغوية بحثا عن معنى الصورة، فإننا نجد كلمة “المصور” أحد أسماء الله الحسنى و هو الذي خلق جميع الموجودات و أسند لها صورة خاصة، أي هيئة تميزها كثيرا أو قليلا عن باقي المخلوقات.

        و يقال “تصورت الشيء: توهمت صورته، فتصور لي”[1]، أي تخيلته أو تمثلته و من هنا يرتبط مفهوم الصورة بالخيال.

و يعرف علي صح الصورة بأنها “الشكل،  فصورة الشجرة شكلها”[2]  

        أما اصطلاحا فقد تعددت أيضا التعريفات لتكون بذلك الصورة ذلك “المفهوم الذي يقع في دائرة التماثل أو التشابه بين الشيء في الخطاب و الشيء في الواقع”[3] 

        و بهذا المعنى تكون الصورة هي التماثل و المحاكاة للواقع  و التشخيص و التعبير     و هناك من يوقف معناها عند مفهوم الأيقونة و هناك أيضا من يسير بها في اتجاهات أخرى تضفي عليها تلوينات جديدة تجعل منها شكلا جديدا، أجزاء مفككة، مشاعر، حياة، فلسفة، أبجدية لقراءة إبداع ما، علاقة تفاعلية بينها و بين القارئ، حالة نفسية، غموض، مجاز، تواصل بديل عن اللغة، حلم متدفق، عالم غير واضح الملامح… و كلها معاني تجعل من الصورة نسقا مفتوحا يمتلك القدرة على اختزان معاني عديدة لا تقف عند حدود المعاني المتعارف عليها كما في الفن الفوتوغرافي أو التشكيلي أو السينمائي…

        إن مفهوم الصورة ليس بالمفهوم الجديد على الإنسان، بل إنه لازمة منذ القدم و قد جسدته النقوش و الحفريات و رسوم الكهوف و الأواني الفخارية ، لكن الصورة بالمفهوم الحديث أو ما يصطلح عليه اليوم بثقافة الصورة، يكاد ينحصر في الصورة الفوتوغرافية و الصورة المتحركة (التلفزيون و الفيديو و السينما…) و الصور الثابتة (ملصقات إشهارية    و لوحات تشكيلية…) و غيرها من أشكال الصور التي باتت تحتل مكانة متقدمة بين وسائل الاتصال المختلفة و أيضا في وسائل التعبير الفني. فظهرت تقنيات جديدة تحضر عبرها الصورة بكل سلطتها، لكن ليس كانعكاس أو تجسيد للواقع، بل كتقنية لاختراق هذا الواقع بموانعه القانونية و السياسية. و أهم هذه الأشكال الكاريكاتير مثلا الذي يقدم الصورة بملامح جديدة غير التي نعرفها في الواقع و ذلك بتزييفها و إجراء تعديلات عليها تصل أحيانا إلى حد تشويهها و بذلك تتحول صورة الكاريكاتير إلى خطاب نقدي يفضح عيوب الواقع و يقتحم عوالمه المسكوت عنها. و تسير على نهجه تقنية الفوطومونتاج أو معالجة الصورة التي بإمكانها أن تقدم الصورة كتعبير عن واقع معدل أو واقع متخيل أو افتراضي يصعب أحيانا تفكيك عناصره أو الإمساك بموضوعه و يتطلب من المتلقي مهارة خاصة للتعرف على محتوياته و على العلاقات التي تربط بين عناصره (التشكيلات الهندسية، الألوان، الخطوط، الأحجام…) و توسيع دائرة الفهم لمحتوياته للوصول إلى أبعاده، إلا أن هذا لا يتأتى لأي كان و في هذا إشارة إلى عينة محددة من القراء التي أصبحت تستدعيها قراءة الصورة.

 2- وظائف الصورة:

إن الحديث عن وظائف الصورة بمختلف أشكالها المتحركة أو الثابتة متشعب لكننا سوف نحصره في تلك المرتبطة بوظائف قراءة الصورة، أي الوظائف التي من الممكن أن تتحقق بفعل قراءة الصورة و أهمها: 

 1) الوظيفة الانفعالية: الصورة لا تكتفي بمجرد التنفيس عن المبدع، أي نقل تجربته إلى الآخرين، بل تحاول أن تنقل الأحاسيس و الانفعالات إلى المتلقي بهدف التأثير عليه.

2) الوظيفة الإدراكية:  أي أن الصورة لا تنقل المعنى فحسب، بل تجعل المتلقي يصوغ رؤية خاصة به في استكناه معنى هذه الصورة لا في التعرف على المعنى الذي يريد صاحبه إيصاله إليه. 

3) الوظيفة النقدية : وهي وظيفة تساهم في جعل المتلقي بشكل عام ينتقل من مرحلة البحث عن المعنى في الصورة أو الإمساك بدلالتها إلى مرحلة التفكيك و التحليل و التأويل و  قراءة الظاهر و الباطن فيها.

4) الوظيفة الجمالية  : والمقصود بها وظيفة البحث عن كل التجليات  الجمالية الحاضرة في  الصورة. إن ثقافة الجمال واحدة من أهم الوظائف التي يسعى المبدع  إلى بعثها إلى المتلقي في أفق تطوير رؤيته الجمالية  و إعادة صياغة   سؤال البحث من ماذا تقول الصورة؟ إلى سؤال  البحث في كيف تقول الصورة؟ عبر استقراء تجلياتها الزمانية والمكانية  و ملامح  الشخصيات وزوايا النظر و الموسيقى  و الألوان … إنها آليات لا بد أن تكون فاعلة في تطوير البعد الجمالي لدى المتلقي … وجعله ينفتح على آفاق الجمال باعتباره فنا و لغة القيم الإنسانية  العميقة بامتياز.

المبحث الثاني:

نظرية التلقي: المفهوم والأسس النظرية والمرتكزات المنهجية.

           ظهرت في الفن عموما وفي الأدب على وجه الخصوص موجة جديدة تركز على مفهوم  “التلقي ” وهذا الاهتمام غير بشكل كبير في نسيج الأسئلة الأدبية والنقدية، فتغيرت معها الكثير من التصورات والمفاهيم التي عرفها الأدب والفن على حد سواء، فنشأ منحى نظري جديد أصبح يعرف باسم” نظرية التلقي ” la théorie de la réception  وأصبح متداولا معها بين المبدعين ما يسمى ب “جمالية التلقي”  l’esthétique de la réception  التي ارتبط اسمها بداية بمدرسة كونستانس الألمانية في أواسط الستينات التي ينتمي إليها كل من هانس روبير ياوس Hans Robert Jauss وفولفغانغ ايزر wolfgang Iser  التي  شكلت أعمالهما مرجعا أساسيا في هذا المجال.

             وأهم ما تميزت به نظرية التلقي أو جمالية التلقي عند هذه المدرسة كونها تلح على أن العمل الأدبي لا يتحقق وجوده الا من خلال عنصر فعال في هذه العملية الإبداعية وهو المتلقي، ولذلك كانت هذه النظرية بمثابة محاولة “رد الاعتبار للقارئ باعتباره عمودا من أعمدة الصيرورة الإبداعية القائمة على ثالوث:  المؤلف، النص، القارئ”[4] عكس النظريات السابقة التي كانت تنظر على الدوام إلى القارئ على أنه العنصر الأقل امتيازا في هذا الثالوث.

             تذهب جمالية التلقي حسب ياوس إلى أن جوهر  أي عمل إبداعي ما لا يمكن بيانه عن طريق فحص عملية إنتاجه أو من خلال مجرد وصفه، بل ينبغي أن يدرس بوصفه عملية حركية بين الإبداعي والمتلقي، أي بين الذات المنتجة والذات المستهلكة، بمعنى آخر التفاعل والحوار بين المؤلف والمتلقي ، ويعني هذا أن العمل الإبداعي لا تكتمل صورته الإبداعية إلا عن طريق القراءة وإعادة الإنتاج من جديد.

             لقد انتقد ياوس في نظرية التلقي الإتجاهات والمناهج السابقة التي سادت نظرية الأدب والتي طالما كانت تبعد المتلقي من حقلها كالنظرية الماركسية أو الواقعية الجدلية التي كانت تركز على البعد الواقعي في  العمل الإبداعي أو المنهج البيوغرافي الذي كان يحصر اهتمامه على المبدع وحياته والظروف التاريخية لإنتاج نصه أو المناهج النقدية الكلاسيكة التي كانت تولي اهتمامها للجانب الدلالي للنص أو المناهج البنيوية التي انطوت على النص باعتباره بنية مغلقة، وذلك من خلال نقده لهذه المدرسة باتجاهيها الأنجلوساكسوني كنقده  لنور ثروب فراي N. Frye أو الفرنسي من خلال نقده لكلود لفي  ستـــــــــــــــــــراوس Claude Levi Strauss   ورولان بارث Roland Barthes وجيرار جنيت  Girard Genette  وذلك لأنهم انطووا كلهم على النص باعتباره بنية مغلقة غيبت  بعد التلقي، ثم يستمر على نفس النهج ليوجه انتقاده لمفهوم الانعكاسات في أعمال لوكاتش luckas ولوسيان كولدمان Lucien Goldman ولجماعة أوبوياز Opoyaz (الشكلانيون الروس) وبعد كل هذا التمعن في المناهج السابقة سيصوغ ياوس مفهوما جديدا سماه ب “أفق الانتظار”[5] الذي يعتبر مفهوما مركزيا في جمالية التلقي والمقصود به أن العمل الأدبي قد  يراعي أفق انتظار القارئ حين يستجيب هذا الأخير لمعاييره الفنية والجمالية و الأجناسية التي سبق أن تعرف عليها، لكن قد يخيب توقعه الانتظاري ويفاجأ إذا واجه نصا حداثيا ذو طرائق فنية وآليات تجنيسية جديدة لا تنسجم مع القواعد التي خبرها هذا المتلقي. إلا أن ياوس يؤكد على أن الأعمال الجيدة هي التي لا تنسجم مع القواعد التي خبرها هذا المتلقي و تنهي انتظار القارئ بالخيبة لأنها تستعصي عليه وتدفعه إلى البحث عن تطوير نفسه ، بينما التي ترضي أفق انتظاره وتلبي رغباته هي نماذج روتينية سرعان ما تؤول إلى الزوال .

             أما  ايزر Iser فيرى أن العمل الفني له قطبان:

1- قطب فني : يتجلى على الخصوص في العمل الذي ينتجه المؤلف وأيضا في الدلالات التي يشحن بها هذا العمل.

2 – قطب جمالي:  يكمن في عملية القراءة أو التأويل التي تخرج النص من “حالته المجردة الى حالته الملموسة، أي يتحقق بصريا وذهنيا عبر استيعاب النص وفهمه وتأويله”[6]

والقراءة والتأويل هنا هو استكناه دلالة العمل الإبداعي والبحث عن المعنى المخبوء فيه كما أنه يعني الأثر الذي يتركه هذا العمل في نفسية القارئ في شكله الإيجابي أو السلبي (ارتياح، متعة، رفض، نقد ، تجاوب…)

     وعلى هذا الأساس، حسب ايزر تنطلق نظرية التلقي من خطين مزدوجين: من النص إلى القارئ ومن القارئ إلى النص ولا يمكن للعمل الإبداعي أن يحقق مقصديته ووظيفته  الجمالية إلا من خلال عملية القراءة الجادة التي تنبني على استخلاص القارئ “الافتراضي” أو الضمني لمعاني النص “ويوحد قدراته الخيالية للتحرك مع النص باحثا عن بنائه ومركز القوى فيه وتوازنه، واضعا يده على الفراغات الجدلية فيه فيملأها باستجابات الإثارة الجمالية التي تحدث له”[7].

بعد ذلك أخذت نظرية التلقي تحتل موقعها في الساحة النظرية الأدبية والإبداعية بشكل عام الى أن أصبحت تتبوأ مركز الهيمنة داخلها، لتنطلق من ألمانيا نحو اتجاهات ومدارس الأنجلوأمريكية (بريطانيا، وأمريكا) حيث هيمنت في الأعمال النقدية التي اندرجت في أبحاث ودراسات مماثلة للمدرسة الألمانية فيما يسمى ب”استجابة القارئ” كما استطاعوا أن يطوروا منهجا آخر على صلة بنظرية التلقي وهو الإتجاه التأويلي في الولايات المتحدة الأمريكية فيما يعرف “بنظرية الاستقبال”  مع نورمان هولاند وديفيد بليش و مايكل ريفاتير وآخرون.

كما نجد نفس الصدى لنفس النظرية في الثقافة العربية التي اهتمت بنظرية التلقي بشكل يقل عن اهتمامها باتجاهات أخرى كالبنيوية واللسانيات بسبب الإنغلاق الثقافي الذي كانت تشهده الساحة الثقافية في المشرق و المغرب العربي في تلك الفترة، لكن هذا لم يمنع النقد العربي من الاهتمام بنظرية التلقي وبجماليته، فبدأ الباحثون العرب يسعون الى “توظيف مفاهيمها وتصوراتها لتجديد أسئلة النقد الأدبي و رغبته في تجاوز العديد من إشكالياته التي أصبحت عتيقة”[8].

المبحث الثالث:

الصورة و إشكالية القراءة: لوحة  “العشاء الأخير ” للفنان الايطالي الكبير ليوناردو دافنشي نموذجا.

         لوحة “العشاء الأخير” للفنان الايطالي الكبير ليوناردو دافنشي Leonardo Da Vinci

كانت الصورة قديما تتميز بالبساطة و الوضوح لأنها كانت تتناسب مع الحياة البسيطة للقدماء، بينما الآن صارت الصورة أكثر عمقا و تعقيدا و تتطلب من قارئها مهارة فائقة لتفكيك رموزها و القبض على دلالة من دلالاتها المتعددة. إنها ليست كالخطاب اللغوي الذي مهما بلغت درجة تعقيده يمكن أن نتلمس له قراءة معينة، بل قد تكون لها إيحاءات متعددة تجعل من قراءتها عملا صعبا، وقد تبدو أنها ذات دلالة معينة أو وحيدة، لكن السيميائي كريستيان متز Christian Metz  في كتابه “ما بعد تماثل الصورة” Au delà de l’analogie de l’mage  يرى بأن الصورة تقوم على التماثل، لكنه تماثل غير واقعي، فالصورة تحاول اقتناص الواقع أو إعادة إنتاجه، لكنه اقتناص لا يقدم دلالة أحادية لهذا الواقع لأن كل صورة تتكون من عنصرين:

أ- عنصر أيقوني: و هو تلك المعالم الواضحة و البارزة في الصورة التي نراها بالحاسة  البصرية، والتي تشدنا إلي هذه الصورة منذ الوهلة الأولى و تشكل المفتاح الأول للدخول إلى عالمها و تقودنا إلى القبض على الدلالة فيها.

ب‌- عنصر إيحائي: و هي العناصر التي توجد في أطراف الصورة أو في خلفيتها      و هي تتطلب منا بحثا أطول للوصول إلى عمقها و التوغل في عوالمها و تفكيك رموزها لبناء المعنى الذي نتوخاه، و لذلك فردود الأفعال من القراء تكون متفاوتة اتجاه الصورة الواحدة لأن كل واحد “يسقط عليها حمولة فكرية و ثقافية… حسب تكوينه الذاتي و تنشئته الاجتماعية الخاصة…”[9]

بهذا المعنى تكون الصورة مثيرة لإشكالية القبض على المعنى فيها، و نسوق هنا نموذجا لصورة أثارت العديد من القراءات و التأويلات و الجدل من حولها، و هي “العشاء الأخير” للفنان الايطالي الكبير ليوناردو دافنشي Leonardo Da Vinci  و هي لوحة زيتية جدارية من حجم 460 سم × 880 سم، رسمت ما بين 1494 و 1498 في حجرة طعام دير القديسة ماريا دلي غراتسيي Maria delle grazie بمدينة ميلانو الايطالية. و تعد هذه اللوحة إحدى أعظم إبداعات ليوناردو دافنشي كما أنها أثارت الكثير من التساؤلات  و تم استقراء معانيها و ألوانها و شخوصها بطرق مختلفة. و إلى حد الآن لا تزال هذه اللوحة نقطة جذب رئيسية للعديد ممن لديهم حسا فنيا لما تحمله هذه التحفة الفنية من رموز  و إشارات يصعب ملامستها. و من القراءات التي قدمت  لها أن الصورة في ظاهرها تجسد السيد المسيح و هو الشخصية الرئيسية جالسا في الوسط يتشارك مع تلاميذه الاثني عشر العشاء الأخير في الليلة التي سبقت إلقاء القبض عليه عندما باعه يهوذا و هو واحد من تلامذته. على يمينه جلس ثلاثة تلاميذ، بطرس يهمس من خلف يهوذا و شخص قريب من المسيح يقول البعض عنه بأنه يوحنا الذي يبدو في اللوحة أصغر سنا من باقي الحواريين و بتقاسيم و ملامح أنثوية، إلا أن الروائي الأمريكي دان براون يقول في إحدى قراءاته للوحة التي ضمنها في روايته “شفرة دافنشي” حاول حل شفرتها و تفكيك رموزها، أنه ليس يوحنا بل إمراة هي مريم المجدلية، عاهرة سقط المسيح في حبها و تزوجا سرا و أن الفراغ الموجود بينهما في اللوحة على شكل V يرمز إلى الكأس المقدسة الغائبة عن طاولة العشاء  و التي يقال أن السيد المسيح و حواريه شربوا منها في العشاء الأخير وهي ترمز إلى  Ventre ، أي بطن مريم المجدلية ذاتها، أي أنها هي نفسها الكأس أو الوعاء المقدس الذي حمل نسل المسيح المقدس و أن هذه السلالة لا زالت على قيد الحياة إلى حد الآن.

و هذا تأويل يناقض بشكل كبير ما هو مذكور في الكتب المقدسة خاصة و أنه لا يوجد في الأناجيل سند يثبت صحة ما يدعيه براون و لذلك أثارت هذه الرواية بالرغم من النجاح الكبير الذي حققته الكثير من الجدل في أوساط المسيحيين و بلغت إلى حد منعها من الدخول إلى عدة دول أجنبية و على الخصوص إلى الفاتيكان الذي قابلها بسلسلة شرسة من الانتقادات و الاعتراضات على دخولها إلى ترابه و أيضا في بعض الدول العربية كلبنان و الأردن  و مصر.

و لكن رغم ذلك يبقى السؤال هنا: لماذا رسم دافنشي يوحنا بملامح أنثوية؟ و للإشارة فإنها ليست اللوحة الوحيدة التي تقدمه على هذا الشكل، بل إن رساما ايطاليا آخر هو جاكوبو باسانو، رسمه أيضا شابا بدون لحية و بملامح أنثوية، و نفس الشيء يقال عن لوحة الفنان آندريا ديل كاستانيو   Andrea del Castagno حيث يمكن أن يرى يوحنا على أنه امرأة.

كما أن هناك من حاول استقراء هذه اللوحة عبر ربطها بشخصية الرسام ليوناردو نفسه فيؤكد بأنه كان ينزع إلى رسم الرجال الشباب بملامح و تقاسيم أنثوية لأنه كانت لديه ميولات جنسية مثلية. و هناك البعض الآخر الذي يقول بأنها تحتوي على إشارات رمزية إلى عقيدة دينية سرية تمتد إلى مئات السنين و التي كان من أبرز أعضائها العالم اسحاق نيوتن، فتبناها ليوناردو بدوره و هي عقيدة تختلف في أسسها عن العقيدة المسيحية الكاثوليكية التي كانت ذات سلطة مطلقة في عصره.   

هكذا تكون لوحة العشاء الأخير نموذجا على ظاهرة التأويل في الصورة و على تعددية  القراءات بل و إشكاليتها لأننا لا نستطيع القبض على دلالة واحدة، فكل قارئ يسقط عليها ذاتيته و يشحنها بثقافته و ميولاته الفنية و الجمالية و الإيديولوجية و السياسية.

خاتمة:

إننا في عصر الكتابة الفائقة بمعنى أن أدوات الكتابة تنوعت و لم تعد مقتصرة على النقوش و الأقلام و الأوراق و كل الطرق التقليدية للكتابة بل أصبحت هناك أنواع جديدة من الكتابة حاضرة في الصورة بكل اتجاهاتها سواء كانت عبر الشاشة السينمائية أو التلفزية أو الكمبيوتر. و نحن في العالم العربي مازلنا نعاني فوبيا الاقتراب منها، مع أن الحاضر و المستقبل كلاهما ينبضان بالصورة التي غدت بطلا حقيقيا في العملية التواصلية، نلمس حضور أدواته و فعله في كل لحظة من حياتنا و باتت ثقافة الصورة تسلط سيفها على رقابنا و أصبحنا نعيش في زمن الصورة لأن أغلب ما نتلقاه من معلومات و أفكار و تحولات تصنعه هذه الصورة التي لم تعد تمثيلا و لا تجسيدا للواقع بقدر ما أصبحت أداة لهندسة الوعي البشري، تعبر عن حاجات الإنسان و رغباته المادية و المعنوية و كل هذا يتطلب قارئا ليس عاديا و لا سلبيا و لا كسولا ، بل متلقيا ايجابيا ينسج مع الصورة اتصالا حميميا   و تفاعلا  وجدانيا يمكنه من استثمار قدراته في استنطاق الصورة وتفكيك آلياتها و إعادة إنتاجها بشكل يكسر أفق انتظاره.   

ذة. الزوهرة الجهاد / المغرب  

Zohra Eljihad / Maroc


المراجع المعتمدة بالعربية

  1. ابن منظور، لسان العرب، ج4، دار المعارف القاهرة.
  2. علي صح صح، الصورة الأدبية، تاريخ و نقد، دار إحياء الكتب العربية القاهرة
  3. صلاح القصب، الخطاب الصوري في المسرح العراقي، عن الموقع الالكتروني www.kululiraq.com  
  4. أحمد بوحسن، نظرية التلقي و النقد الأدبي العربي الحديث، ضمن كتاب نظرية التلقي: إشكالات و تطبيقات، سلسلة ندوات و مناظرات، رقم 2 ، منشورات كلية الآداب و العلوم الإنسانية بالرباط (1993)
  5. د. جميل حمداوي، منهج التلقي أو نظرية القراءة و التقبل. الموقع الإلكتروني  www.ofouq.com/today
  6. د. نبيلة إبراهيم، القارئ في النص، نظرية التأثير و الاتصال، مجلة الفصول المصرية، المجلد 5، العدد 1، (1984)
  7. عمر حلي، البوح و الكتابة، دراسة السيرة الذاتية في الأدب العربي، مطبعة و ليلي، ط 2  (2001)
  8. د. ميلود بوشايد، مقال: في قراءة الخطاب الإشهاري : الملصق و أبعاده التواصلية ضمن محاضرات في مادة تلقي الإشهار بكلية الآداب و العلوم الإنسانية – ابن امسيك – الدار البيضاء
  9. مجلة علامات: التلقي و التأويل، عدد 10، مطبعة النجاح الجديدة – الدار البيضاء (1998)   

المراجع المعتمدة بالفرنسية و الإيطالية

1- Roland Barthes, Rhétorique de l’image, Ed.Seuil Paris – (1982)

2- H.R. Jauss, Pour une esthétique de la réception, Ed. Gallimard. Paris (1978)

3- Pinin Brambilla Barcilon, il restauro, in Leonardo, l’ultima cena, Electa, Milano (1999)


[1]  ابن منظور، لسان العرب، ج4، ص2523 ، دار المعارف القاهرة.

[2]  علي صح صح، الصورة الأدبية، تاريخ و نقد، ص5، دار إحياء الكتب العربية القاهرة

[3]  صلاح القصب، الخطاب الصوري في المسرح العراقي، عن الموقع الالكتروني www.kululiraq.com  

[4]  أحمد بوحسن، نظرية التلقي و النقد الأدبي العربي الحديث، ضمن كتاب نظرية التلقي: إشكالات و تطبيقات، سلسلة ندوات و مناظرات، رقم 2 ، ص 26، منشورات كلية الآداب و العلوم الإنسانية بالرباط (1993)

[5]  H.R. Jauss, Pour une esthétique de la réception, p 41, Ed. Gallimard. Paris (1978)

[6]   د. جميل حمداوي، منهج التلقي أو نظرية القراءة و التقبل. الموقع الإلكتروني  www.ofouq.com/today

[7]   د. نبيلة إبراهيم، القارئ في النص، نظرية التأثير و الاتصال، مجلة الفصول المصرية، المجلد 5، العدد 1، ص103 (1984)

[8]   عمر حلي، البوح و الكتابة، دراسة السيرة الذاتية في الأدب العربي، ص 33، مطبعة و ليلي، ط 2  (2001)

[9]   د. ميلود بوشايد، مقال: في قراءة الخطاب الإشهاري : الملصق و أبعاده التواصلية ضمن محاضرات في مادة تلقي الإشهار بكلية الآداب و العلوم الإنسانية – ابن امسيك – الدار البيضاء



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.