من أدب الرحالة العرب: مقارنة بين رحلة ابن جبير ورحلة ابن بطوطة / بقلم: الراحل تميم محمود منصور / فلسطين


قام الرحالة ابن جبير الأندلسي “أبو الحسن محمد بن أحمد بن جبير الكتني 1145 – 1217” برحلته في أواخر القرن السادس الهجري الثاني عشر للميلاد، أما رحلة ابن بطوطة المغربي “محمد بن عبد الله بن محمد اللواتي الطنجي 1304 – 1377”. فكانت خلال النصف الأول من القرن الثامن الهجري “الرابع عشر الميلادي” لقد وقع اختياري على هاتين الرحلتين، أولاً لشهرتهما الواسعة وثانياً لأنهما تمثلان الأسلوب الكتابي الحر في ذلك العهد أفضل تمثيل، بالرغم مما يتخللهما أحياناً من عبارات منمقة أو مسجعة، وأقصد بالأسلوب الكتابي الحر، وهو كما نعرف غير الأسلوب الفني المعروف بالأصول البلاغية البيانية التي كان يُعنى به كُتاب الرسائل الديوانية والأدبية وأصحاب المقامات اللغوية.

رحلة ابن جبير:
وهي رحلة جديرة بالدرس لا من الناحية اللغوية فحسب، بل من الناحية الأدبية أيضاً، فصاحبها أديب سلس الأسلوب سائغ الألفاظ كما سنرى، قام من وطنه الاندلس بثلاث رحلات قضى فيهن نحو ثلاث سنوات، طائفاً في البلدان العربية وجزائر البحر المتوسط، وقد كان في أثناء طوافه يدون في مفكرات يومية ما كان يشاهده ويختبره في شتى البلدان وبين مختلف الأقوام، على أنه لم يصلنا من هذه الفترة غير ما جمع بعد وفاته من أحاديث رحلته الأولى التي تُعرف باسم “تذكرة الأخبار من اتفاقات الاسفار” وقد اهتم بها جماعة من علماء الاستشراق، فحررها وأخرجها المستشرق الإنجليزي “رايت” سنة 1852، ثم المستشرق الهولندي “دي خويه” سنة 1907 لقد استعمل ابن جبير أسلوباً مميزاً في الوصف وسرد الوقائع نورد بعض المقاطع (وصل إلى بلدة عيذاب على البحر الأحمر، وأحياناً يطلق عليه بحر فرعون، وهو ثغر ينقل منه الحجاج إلى الحجاز، ولأهل عيذاب في الحجاج أحكام الطواغيت، وذلك أنهم يشحنون بهم “أي الحجاج” الجلاب وهي المراكب، حتى يجلس بعضهم على بعض، ويقود بهم كأنها أقفاص الدجاج المملوءة، يحمل أهلها على ذلك الحرص والرغبة في الكراء، حتى يستولي صاحب “الجلبة” المركب منهم ثمنها في طريق واحدة، ولا يعنيه ما يصنع البحر بها بعد ذلك، ويقولون “غلبنا بالألواح وعلى الحجاج بالأرواح” أي أنهم يفضلون الخشب على حياة الحجاج).
يصف بن جبير في رحلته مناسك الحج، وفي مناسك الحج زار ابن جبير “جبل أبي ثور” كما زاره ابن بطوطة، حيث الغار الذي آوى إليه النبي صلى الله عليه وسلم مع صاحبه أبي بكر الصديق، وشاهد تزاحم الحجاج عليه، ومحاولة بعضهم دخول الغار من الشق الضيق الذي دخل منه النبي، فيصف ذلك المشهد بقول “على كل من يحاول الدخول من هذا الشق أن يمد خده ويبسطه إزاء الشق ويولج يديه ورأسه أولاً، ثم يعالج ادخال بقية جسمه، فمنهم من يتأنى له ذلك بحسب ضخامة بدنه، ومنهم من يتوسط جسمه فم الغار فيعضه “أي يضغط على شق الغار لضيقه، محاولاً الدخول والخروج فلا يقدر، فيلاقي مشقة وصعوبة ويحتاج إلى مساعدة من الآخرين كي يحرر جسمه من الشق”.
وممن شاهدهم من الحجاج بعض القبائل اليمنية وتعرف “بالسرو” وقد راقبهم وهم يطوفون حيث يصفهم “القوم عرب صرحاء فصحاء، لم تصلهم الرقة الحضرية، ولا هذبتهم السير المدنية، ولا سددت مقاصدهم السنن الشرعية، فلا نجد لديهم من أعمال العبادات سوى صدق النية، فهم اذا طافوا بالكعبة المقدسة يتطارحون عليها تطارح البنين على الأم المشفقة لائذين بجوارها متعلقين بأستارها، فحيثما علقت أيديهم منها تمزق لشدة اجتذابهم لها وانكبابهم عليها، وفي أثناء ذلك تصدع ألسنتهم بأدعية تتصدع لها القلوب، وتنفجر الأعين بالدموع .
ولما كان خلال رحلته قد اضطر إلى ركوب البحر مراراً فمن الطبيعي أن يذكر في مفكرته ما صادفه فيه من أهوال الأنواء، كقوله في نوء قاساه في البحر المتوسط قرب جزيرة سردينيا (عصفت علينا ريح هالٍ لها البحر وجاء معها مطر ترسله الرياح بقوة كأنه شآبيب سهام، فمعظم الخطب واشتد الكرب، وجاء الموج من كل مكان أمثال الجبال السائرة، فبقينا على تلك الحال الليل كله، واليأس قد بلغ منا مبلغه.. وارتجينا مع الصباح فرحة تخفف عنا بعض ما نزل بنا، فجاء النهار بما هو أشد هولاً وأعظم كرباً، وزاد البحر اهتياجاً، وأربدت السماء سوداً وانتشرت الريح والمطر عصوفاً، حتى لم يثبت معها شراع، فلجئ الى استعمال الاشرعة الصغار، فأخذت الريح احدها ومزقته، وحينئذ تمكن اليأس من القلوب وارتفعت أيدي المسلمين بالدعاء إلى الله عز وجل، وقضينا هذه الليلة البهاء في مصادقة أهوال ومكابدة أوحال ومقاساة أحوال يا لها من أحوال! ثم أصبحنا ليوم عصيب والأمواج والرياح تترامى بنا حيث شاءت، وقد استسلمنا للقضاء، وتمسكنا بأسباب الرجاء ثم تداركنا الله تعالى مع المساء، ففترت الريح ولان البحر وأسفر وجه الجو، وأصبحنا وقد بدل لنا من الخوف الأمان وتطلعت الوجوه كأنها انتشرت من الاكفان.
فأبن جبير رشيق العبارة حتى حين يدفعه انفعال النفس أحياناً الى بعض التشجيع في الوصف، على أن نثره على العموم من النوع المرسل السمح، وهو دقيق فيما يود تعريفه، وفي وصف ما يختبره أو شاهده، وله نظرة معتبرة في الناس وعاداتهم فلا يلق الكلام على هوانه، ولا يندفع اندفاعاً أعمى مع عواطفه، بل يحكم العقل في ما يرويه، ولا يؤخذ بالترهات والحكايات الخرافية أو المبالغات التي لا طائل تحتها.
ومن شدة تمسكه بالإسلام وغيرته على أهله ونقمته على أعدائه لا يسمح لقلمه أن يخرج عن حدود الانصاف في ذكر الحسنات.
أو نقده السيئات سواءً رآها من أهل ملته أو سواهم، فتراه يصب غضبه على أهل الظلم والفساد في قومه، أو غير قومه دون استثناء، كما أنه يشيد بالثناء على أهل المروءات والمكارم من الطرفين على السواء.

ولم يتبع عن ابن بطوطة
لقد جف حبر الكاتب تميم محمود منصور

الراحل تميم محمود منصور / فلسطين



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.