العربية وإشكالية الوحدة العربية “وجهة نظر نقدية” / بقلم: ذ. صالح هشام / المغرب


(بمناسبة اليوم العالمي للعربية)

أيا هذا البحر الكامن في أحشائه الدر والجوهر، طاوعني على الإبحار في مجاهلك، إبحار عاشق متيم بالمغامرات في عالم روعة حروفك، عشقي صوفي يمدني بالاتحاد والحلول فيك، رغم اهتراء مركبي وضعف مجدافي، إبحار غيرة واحترام وتقدير لك، واعتمادا على وسائل إبحاري الخاصة، لاغوصا في كتب ومتون قديمة أو حديثة قالت فيك ما قالت، ودونت في ربوعك حروبا طاحنة، بين من يريد بك الأذى ومن يريد لك النصر والنصرة، عبر مختلف عصور وأجيال الأمة العربية.

أيا هذه العربية الرائعة بروائعها، والجميلة بجمالها، أطمع في انتعاشة من رذاذ بحرك، وروعة أفكارك، وقداسة حاميك، طاوعيني، أريد أن أخترق ولو ربعا من ربوعك، فهي بلا حدود، وبحرك بلا شطآن، وصحراؤك بلا رمال، ولن أعتمد في إبحاري على مراكب الآخرين، وإن كانت الذاكرة تعجز عن استيعاب ما بك وما عليك، فالمجداف هش، والمركب لا يقوى على اختراق بحارك العظيمة، والصمود أمام أمواجك، فهي عاتية قوية ما لانت شوكتك يوما لمن أراد بك تلويثا، وتعكير صفوك، أشرعة إبحاري: حبي لك، وكرهي لواقع آسن مثخن بجراحك.

رموني بعقم في الشباب وليتني… عقمت فلم أجزع لقول عداتي.
أرادوا بك الأذى لغتي الرائعة، فطوقوك بحشود من لقطاء – ربما لا أصل لها- فتوجوها، وهدفهم إزاحتك من عرش مملكتك الضاربة في عمق التاريخ العربي. فتاج مملكتك قصي منيع متمنع عصي مستعصي عن كل أبنائك العاقين الذين تنكروا لك وأنكروك.
أنت عروس اللغات. أنت لغة اللغات يا لغتي، يا عربية.
يكفيك فخرا أن الله سبحانه وتعالى اصطفاك من بين اللغات لتحضني كتابه المقدس بين حروفك، حملك رسالة عظيمة، وكنت في مستوى الرسالة.
وسعت كتاب الله لفظا وغاية…… وما ضقت عن آي به وعظات.

فأنت لغة قريش، وقريش أفصح العرب، لغة رسول الله الذي شرفك بقوله: (أنا أفصح العرب بيد أني من قريش). فقريش أرست دعامات بنائك على الذوق الراقي، والسليقة العربية السليمة: انتقاء واختيارا، إذ جمعت فيك كل جميل من لغات ولهجات غيرها من قبائل العرب، أولئك الذين كانوا يقصدون مهدك (قريش)، نظرا لتوفرها على كل أسباب الحج من مختلف أنحاء صحراء العرب: منها ازدهارها الاقتصادي والأدبي، وكذلك عوامل الاستقرار الاجتماعي والسياسي، ولا أريد أن أدخل في متاهات تاريخك، وإنما لا بد من وضعك في هذا الإطار، حتى يستقيم الحديث عنك في هذا الزمن الرديء، هذا الزمن الذي تنكرفيه لك أقرب الناس إليك:
رجعت لنفسي فاتهمت حصاتي… فناديت قومي فاحتسبت حياتي.

اتركيني أيتها الرائعة، أذكر بك؛ وببعض الملامح من تكوينك على مستوى الذوق التاريخ، وإن كنت لا أحسن الإبحار في كتب التاريخ، فأنا لا أحب أن أتيه في مكتبات الموتى، إن هي إلا مغارات سحرية كثيرة الأبواب، تستوجب حسن فن الاستغوار في مجاهيلك. فقد تكونت فصيحة جميلة رائعة، ترفلين في دمقس الحرف الراقص في محراب الجمال قبل الإسلام، بذوق وذائقة قرشية رائعة، تحسن التهذيب والتشذيب، تستسيغ وتستطيب الجميل، وتعيب وتستقبح القبيح، وتحتفظ بجواهر ودرر الكلم، وكان ذلك من مختلف لغات ولهجات القبائل الوافدة إلى قريش لما كانت تتميز به من أوضاع، تعتبر من أسباب حج القبائل العربية سواء كان ذلك على مستوى الاقتصاد: التبادل التجاري، أو على مستوى تنشيط تلك المحافل الأدبية في الأسواق الشعرية، فعولت على ذائقة قريش الفنية، التي كانت تستبعد الهجين والتافه من كلام قبائل العرب الوافدة، ويمكن أن أجمل ذلك في هذا القول: (كانت العرب تحضر الموسم في كل عام، وتحج البيت في الجاهلية، وقريش يسمعون لغات العرب، فما استحسنوه من لغاتهم تكلموا به، فصاروا أفصح العرب، وخلت لغتهم من مستبشع اللغات ومستقبح الألفاظ).

في خضم هذا التفاعل الأدبي، وشحتك قريش بالفصاحة ووشحتها بالتميز بين سائر لغات العرب، من أناقة الحرف، وجمال التركيب، فكنت ملكة لغات العرب من مختلف الأصقاع والبقاع، واستقوت سلطتك وسيادتك بعد مجيء الإسلام، إذ اختارك الله سبحانه وتعالى لغة للقرآن الكريم – فجسدك في نص نهائي، وثيقة تابثة، ومرجعا للإسلام والمسلمين في جميع بقاع الأرض، فكنت أيتها الرائعة، مصدرا لتوحيد لغات العرب، بعد تشتت، ومصدر قوة للأمة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، بعدما كنت ضائعة بين لهجات ولغات أخرى لم تقو على الصمود والحفاظ على مكانتها بين العرب، وبالأخص في عهد الإسلام، لكن لغتي الرائعة: يعز على أن أرى التاريخ يعيد نفسه، فمن التشتت إلى الوحدة، ومن الوحدة إلى التشتت. وأعتقد أن هذا التشتت في عصرنا الجاحد يأتي من خلال ما يسعى إليه هؤلاء الذين نصبوا أنفسهم أولياء عليك، فأجازوا فيك اللحن، وتجاوزوا قواعدك، إعرابا وتركيبا. واتهموك بالعقم وما أنت عقيم، وبالفقر وما أنت فقيرة، وما الفقر والعقم إلا في نفوسهم الضعيفة التي لا تقوى أبدا على مجاراة روائعك، وتذوق جمالك، وذلك لأسباب لا ترقى إلى مستوى الموضوعية، ولعجزهم عن الإبحار في علوم روادك من القدماء والمحدثين، لقد أعلنوا عليك الحرب يا لغتي، يا عربية، يا ملكتي، عصوك، وبلا هوادة، يبحثون عن بدائل تافهة في لهجات وعاميات، من أجل توحيد لغة التخاطب بين الشعوب العربية، دعوا إلى نبذك بشكل مباشر أو غير مباشر، وإضعاف شوكتك في المدرسة والشارع، والإدارة، والأدب، وسائر الفنون التعبيرية، وهم -رغم ذلك- جاهلون جمال وكنوز عامياتهم ولهجاتهم. وقد تجرؤوا عليك ونادوا باستبدال حروفك الذهبية بحروف لاتينية بعيدة عن العرب كل البعد، كما فعل الشاعر اللبناني [سعيد عقل] في ديوانه (يارا) سنة 1960!

قررت أن أنجز رسالتي الجامعية في الأدب الشعبي [الحكاية الخرافية] وهو الشفهي والمكتوب باللهجات والعاميات العربية، فكنت أتيه كل يوم في المكتبات بحثا عن مصادر عربية تمدني بمادة بحثي، فلم أكن أجد إلا كتابا قليلين يعدون على رؤوس الأصابع، يتناولون أجناس الأدب الشعبي بالدراسة، فأعود وفي نفسي حسرة وغصة تكاد تخنقني، أعود إلى كتب المستشرقين، وكتاب الغرب فأجد المكتبات مليئة حتى التخمة بمجلدات ضخمة أمثال (الإخوان جريم أو جيمس فريزر وكراب) وغيرهم كثير. تساءلت لماذا نقرأ أدبنا من خلالهم لا من خلالنا وفي مجال عامياتنا؟
رغم أن أغلبية كتابنا يدعون إلى تعويضك بهذه اللهجات والعاميات وما أكثر هؤلاء الدعاة الذين يضيق المجال للحديث عنهم. وقتها، استنتجت أن هؤلاء الغربيين، كانوا يعيرونك بالعقم والعقر، وما أنت عاقر.

سرت لوثة الافرنج فيها كما سرى… لعاب الأفاعي في مسيل فراتي.
فضربك لغتي في الصميم ضرب للوحدة العربية برمتها. فلا كتابنا يعرفون كنوزك ولا هم يعرفون كنوز هذه اللهجات التي يدعون إلى تبنيها، فكانوا لقمة سائغة في الكتابات الغربية التي كانت تتوخى من بعثاتها تشتيت الأمة العربية، لأنهم كانوا يعرفون – مسبقا-: بأن التمسك بك لغتي تمسك بالهوية العربية، وتمسك بالتاريخ والأدب وكل المقومات العربية، التي بنيت عبر أجيال، وما أنت إلا مصدر قوتنا ووحدتنا، فما أنت لغتي إلا وعاء يحصن وجودنا العربي: تاريخيا وفكريا وأدبيا وسياسيا ودينيا وتدميرك تدمير لوجود نا، وتفكيك لهويتنا.

أيطربكم من جانب الغرب ناعب… ينادي بوأدي في ربيع حياتي.
كانت هذه نوايا تلك البعثات التي تسبق احتلال الغرب لمناطق شاسعة من الوطن العربي الذي لا هو في العير ولا في النفير من هذه المؤامرات٠ والذي يؤلمني لغتي الجميلة أن بعض صفوة أبنائك انساقوا مع هذه المؤامرة واحتكوا بالغرب، واتخذوه المثل الأعلى، وبدؤوا يبحثون عن البديل عنك عندهم، لا في بطون أمهات كتبتك من أجل وحدة عربية لن تكون إلا وهمية، وهم يسيرون على نهج هؤلاء الغرب في اتهامك بأنك لست لغة علم وعلوم.

ولعل هذا الاحتكاك بالغرب جعلهم يتلفون قواعدك، وسننك التي يحفظها القران الكريم كوثيقة نهائية للغة العرب والمسلمين كافة. (إنا أنزلنا الذكر وإنا له لحافظون). ولعمري إن هؤلاء الذين يحفرون الحفر للإيقاع بك ويناصرون لغات عامية، لا ترقى إلى مستوى تحقيق لغات تخاطب ضمير العرب الجمعي، يعود إلى مجموعة من الأسباب، تتجلى في جهلهم بك، وعجزهم عن تعلمك، وعدم قدرتهم على الغوص في بحار علومك، فاعتبروك لغة صعبة المراس نحوا وتركيبا، وما أنت كذلك، ففتحوا الباب على مصراعيه لتمرد الفعل على الفاعل دون حياء، متوهمين فصل المعنى عن التركيب، فضلا عن عجز ذائقتهم عن تذوق فصيحك من كلام سلس وعذب، فغاب عنهم الذوق، واختلت ذائقتهم الجمالية العربية، احتكوا بالغرب وبدوائره الاستعمارية، فشنواعليك حملة شعواء، وفي نيتهم تدمير صرح مملكتك، التي قاومت المناورات حقبا طويلة من الزمن، وهم يجهلون أن دعوتهم الى التمسك بالعامية هو في حد ذاته دعوة إلى تشتت الأمة العربية لا توحيدها. يرجع هذا إلى اختلاف آلاف اللهجات التي تنتشر عبر مناطق الوطن العربي من المحيط إلى الخليج. فكيف نتخلى عن وحدتنا في لغة القرآن والتاريخ العربي الحافل بالأمجاد، ونعمل جاهدين للبحث عن لهجات عاجزة عن اقتحام الأذن العربية التي تحكمها السليقة القحة، والتي تجري في دماء القلب، وتستوطن تلافيفه، يقول أنور الجندي (لقد جند الاستعمار قواه لهذه الغاية، وحرص عليها ورسم خططا بعيدة المدى، وقامت في الأقطار العربية المحتلة منظمات لهذا الغرض ليس لها مهمة غيرتوجيه الحملات إلى اللغة العربية، واتهامها بالقصور وعدم الكفاية العلمية). فهلا انتبه العرب إلى هذه الحقائق التي تستهدفك بالتدمير والقتل لغتي الرائعة، فكان الظلم عليك من أقاربك ومن غيرهم. والله، لغتي الجميلة، أنا هنا لا أقف موقف المدافع عنك، لكن رأيتك مظلومة في المدرسة العربية، وفي الإعلام العربي، وفي الحياة اليومية العربية، ولست ضد تعلم لغات الآخر، فرسولنا صلى الله عليه وسلم يقول (من علم لغة قوم أمن مكرهم)، بل أرغب في أن آمن مكر الآخر، لذلك أتعلم لغاته. لكن هل تعلم هذه اللغات يعني إقصاؤك من حياتنا اليومية؟ فلو كا ن ذلك بالفعل لكانت الكارثة لمجموعة من الأسباب التي لا أراها إلا موضوعية: فالالتصاق العشوائي باللغات الأجنبية حد الإعجاب من شأنه أن يخلق جيلا منقطع الصلة بماضيه وتاريخ أمته العتيد، إذ التركيز على هذه اللغات الأجنبية من فرنسية وإنجليزية وإسبانية وغيرها، في المدارس العربية من شأنه أن يطرح كنوز التراث العربي، إن هي إلا خصائص الهوية العربية، فكيف لنا بالحديث عن الوحدة العربية في ظل هذا التشرذم اللغوي في مدارسنا؟

فكيف يتسنى لنا أن نعرف روائع أمتنا ونحن ننساق وراء أوعية أفكار وتاريخ أمم أخرى؟ وكيف يتسنى لنا خلق العنصر العربي الغيور على أمته العربية وهو يجهل مقوماتها تماما؟ والغريب في ذلك أن النشء العربي أصبح يتباهى ويفتخر بإتقانه لغات الغرب، وهو يجهل جهلا تاما لغته الأم، التي أصبحت تدرس في مقرراتنا بشكل خجول يندى له الجبين، فحتى كتب العربية التي تعتمد كمقررات مدرسية أصبحت تخضع لعوامل تجارية من حيث النشر والتأليف. وأنطلق هنا من تجربتي كمدرس لمادة العربية لمدة تربو عن العقدين من الزمن: تستبدل روائع النصوص العربية من شعر ونثر، بكتابات تافهة لمؤلفين متخصصين في التأليف المدرسي، والذين لا يعرفون عن قواعدها وأدبها شيئا، إضافة إلى اعتماد مناهج مستوردة تحد من حرية إبداع المدرس، وتفجير طاقاته المعرفية في مجالك لغتي الرائعة، تطبيقا لكم هائل من التوجيهات الرسمية التي تحتوي في طياتها على نية مبيتة تستهدف تدميرك، والحد من سطوتك وسلطتك، ولا تقف هذه عند هذا الحد وإنما تتجاوزه إلى تقليص حصصك بشكل كبير، لا يخدم إلا اللغات الاجنبية، فيبهت بريقك، ويقل مفعولك في فصول الدراسة، فينساق المدرس مرغما لا مختارا على إهمالك، لأنهم رسخوا في ذهنه فكرة أداء الواجب بالطرق التي يفهمونها هم فقط، فتجد نفسك وأنت في فصل عربي إسلامي، أمام نشء وكأنه يتكلم لغة الكسكسة أو الكشكشكة أو العنعنة، أوما شابه ذلك من لهجات عربية قديمة، فعن أي وحدة عربية سنتحدث يا عرب؟ فكيف لهذا النشء في المدرسة العربية أن يتربى على تذوق شعر وأدب لغته العربية؟ وكيف له أن يعرف لغة تاريخه ودينه؟ وهو الذي أصبحت حروفها تمارس عليه شغبها من حيث لا يحتسب. فنشؤنا له ملكة لغة عربية فصيحة، وله سليقة عربية، لكن الملكة تستوجب الصقل، والسليقة تربى دائما في حضن لغة يحترمها أهلها. وحتى لو لم يكن ذلك، فإن أي لغة على وجه الأرض سيخبو بريقها وينطفيء وميضها عندما تنافسها ضرات من مختلف اللغات الأخرى في مضجعها. وهذا ما وقع بالفعل لك لغتي، عندما بدأت بالانتشار إبان الفتوحات الإسلامية، إذ كلما اتسعت رقعة انتشارك كانت تضايقك لغات الأمم المعتنقة للإسلام و التي احتفظت بها. ولكننا لا نأخذ العبرة من روادنا في العربية وأدبها، فهذا طه حسين يعلم مكر الفرنسيين، فهل انساق وراء لغتهم، وهل اعتمدها في كتاباته، ما رأينا ذلك، وما دعا يوما إلى إهمالك لغتي الجميلة، وما دعا إلى استبدالك بلغات عامية، أوتقليص عدد حصصك في المدارس العربية، أواعتماد هذه العاميات من أجل تحقيق وحدة عربية، فالاحتكاك بالغرب يؤدي إلى تدمير اللغة العربية فما بالك باعتماد هذه لغاته المستوردة لغة للإدارة، ولغة للتلميذ، ولغة للشارع، ولغة للبيت. يقول العلامة ابن خلدون: (ولهذا كانت لغة قريش أفصح اللغات العربية، وأصرحها لبعدهم عن بلاد العجم من جميع جهاتهم، ثم ما اكتنفهم من ثقيف، وهديل، وخزاعة وبني كنانة، وغطفان، وبني أسد، وبني تميم) فعبد الرحمان ابن خلدون ربط الفصاحة القرشية بالبعد عن بلاد العجم، فماذا سيقول لو أخبرناه بأن مناهجنا ومقرراتنا المدرسية وحتى الجامعية أصبحت كلها مستوردة من بلاد العجم، إن على مستوى الشكل أو المضمون. ويقول أيضا: (وأما من بعد عنهم من ربيعة ولخم وجذام وغسان وإياد وقضاعة وعرب اليمن المجاورين لأمم الفرس والروم والحبشة، فلم تكن لغتهم تامة الملكة بمخالطة الأعاجم) فهذا التجاور يدمر الفصاحة اللغوية في نظر ابن خلدون، فماذا سيقول لو أخبرناه: بأن لغات الأعاجم -كما سماهم- أصبحت تعيش فينا، ونعيش فيها، ونتباهى بها في البيت والمدرسة والشارع. ماذا سيقول لو علم بأن محاولات كثيرة تستهدف تهديم كيانك لغتي، بمبررات واهية ناتجة أساسا عن ضعفهم، وعدم قدرتهم على تذوق جمالك، أو لأسباب أخرى تسهتدف النيل منك عنوة، تحقيقا لأجندات غربية.

فهذا يدعو إلى إعدام حروفك، لتحل مكانها حروف لا تينية، بعيدة كل البعد عن الذائقة الجمالية العربية، وذاك ينصر اللهجات والعاميات ويضيق عليك الخناق، والآخر يدعو إلى تمصيرك (لطفي السيد). كل هؤلاء يستهدفونك بالقضاء على قواعك، وتحرير الخطأ النحوي من عقاله، ليصول ويجول في جملك وتراكيبك. لكن لا نستغرب ذلك، فاعوجاج حال الأمة العربية، وتبعيتها اقتصاديا للدول الغربية حتما سيؤدي إلى اعوجاج حالك، يا لغتي، رغم أنك حية، وفي كل حرف من حروفك تحيى الحياة. لكننا -مع الأسف – نريد قتلك وتجميدك، وإبعادك عن العصر العربي المثخن بالجراح.

لعمري، إن التبعية بمختلف تجلياتها من أهم هذه المعوقات المفروضة علينا لتدميرك لغتي، باعتبارك مصدر وحدتنا العربية، ففيك الكفاءة للتعبير عن واقعنا وعن آمالنا وأحلامنا، دون الحاجة إلى استيراد لغات أخرى تحل محلك، كما نستورد مواد تنظيف المنازل من الخارج، إنك قادرة على قهر واقعنا المتردي الذي يجري أصحابه لاهثين وراء لغات بعيدة عنا كل البعد. فهل هم متوفقون في مسعاهم للنيل منك يا لغتي، وأنت التي يحصنك القرآن الكريم؟ ويحفظك منذ أربعة عشر قرنا أو ما يزيد؟ وأنت الوعاء الذي يحتوي كل خبراتنا وتجاربنا ومقومات هويتنا منذ القديم. فهل ستنجح هذه النزوات التي تعاديك يا لغتي، هذه العدوانية وهذه الحرب الطاحنة التي تخاض ضدك في وسائل الإعلام التي حلت محل الكتاب، مدسوس فيها السم الزعاف، هذا الإعلام الذي بشكل – متعمد أو عفوي- يصرف النشء عن قراءة كتبك، ليسمم أفكاره بإعلانات وبرامج مبتذلة ساقطة مشبعة بكلام عامي أو أجنبي ساقط، في غياب تام للسهر على مراقبة ما يقدم لهذه الأجيال الصاعدة، فقدرة الإعلام على السيطرة على الاجيال لتصبح أكثر تعلقا به، قد ينال منك يا لغتي، إذ تقدم برامج تلفزيونية بك ولكن لا ترقى إلى مستواك، والعجب كل العجب، أنك حتى في البرامج الأدبية -أوكما يعتقدون- تذبحين من الوريد إلى الوريد بآلة حادة، فلا الفاعل فاعلا، ولا الممنوع ممنوعا. فهؤلاء كبارنا الذين نطمئن لهم، ليس لهم من سلامتك شيئا يذكر، هؤلاء الذين نثق بهم أصبح الخطأ في قاموسهم قاعدة لا استثناء، فأجازوا الاستخراء عوض الاسترخاء.

ولكأني بهم يعيدوننا إلى أيام (يصح الوجهان) أو(اجزم تسلم) تبريرا لأخطائنا. فكيف لهذا النشء أن يعرفك لغتي، وهو يطمئن إلى من استوطنت اللكنة الأجنبية أو العامية مخارج حروفه، فالإعلام الهادف الذي يضع في اعتباره الحفاظ عليك، ووقايتك من شوائب من يهدف إلى هدمك، قادر على نشرك في أبهى حلة إذا توفرت النية السليمة، للبحث في ثناياك عن أسباب الوحدة العربية، لا التشرذم والتشتت، الذي تمكن منا حتى النخاع، فكيف لهذا الإعلام العربي المهتريء أن يساهم في تشكيل لغة مشتركة بين الامم العربية، توحد ها من البحر إلى البحر؟ وهم يتوخون في ذلك الجمع بينك وبين لغات عامية، تنتشر هنا وهناك؟ لماذا نغطي دائما الشمس بعيون الغربال؟ كيف ننساق وراء الغرب وننفي العلمية عنك يا لغتي؟ ونحن غير قادرين على الالتفات إلى ماضي أمتنا الحافل بعلومك، فلا نحن تذكرنا رياضيات الخوارزمي، ولا نحن تذكرنا علوم ابن الهيثم، ولا نحن تذكرنا فلسفة ابن سينا، لم نتذكر أحدا من هؤلاء، لأننا أصبحنا غير قادرين على الالتفات، إلى هذا الماضي الزاخر، عمود فولاذي مغروز في أعناقنا يمنعنا من الالتفات. فأين يكمن العيب يا عرب؟ أفينا أم في لغتنا؟ أم أن سيف الغرب أصبح يتلمس رقابنا في كل لحظة وحين، ويجردنا من أجمل ما نملك ألا هو هذه اللغة العربية الفصيحة الرائعة التي طوعها أجدادنا، وروضوا حروفها، وتركوها أمانة في أعناقنا لنعيث فيها فسادا باسم العصرنة المستوردة، فأي إعلام هذا الذي لا ينتظر منه الحفاظ على لغة الضاد من أجل الوحدة، وتوحيد مشارب الأجيال العربية، التي أصبحت تائهة بين اللكنات واللهجات واللغات الغربية المفروضة عليهم، لأننا أصبحنا تحت رحمتهم على جميع المستويات. فعن أية عصرنة سنتحدث ونحن لا نعرف أو نتجاهل أنك لغتي تتمتعين بكفاءة عالية وقدرة فائقة على استيعاب متغيرات العصر؟ فأنت حية ولست جامدة، تستمدين حياتك من جمال حرفك، وقدرتك على الاشتقاق والترادف والقياس وما إلى ذلك، و الذي قلما نجده في لغات أجنبية أخرى، نتغنى باتقانها، في جميع مناحي حياتنا.

فكيف اضيق اليوم عن وصف آلة٠٠٠ وتنسيق أسماء لمخترعات.
ليس هذا غريبا عنا ولا عنك لغتي، فتاريخك مليء حتى التخمة بمنازعة اللهجات واللغات الأخرى لك، لأن هذه المشكلة تاريخية ولم تخضع في يوم من الأيام لملابسات ظرفية، يمكن تجاوزها بسهولة. فأنت لغتي، منذ ما قبل الإسلام كنت لغة توحيد ومع الإسلام كنت لغة دين ودنيا، ولغة قرآننا الكريم، يتجلى ذلك على سبيل المثال، في رؤية سلفنا المتبصرة لأهميتك. فالخلفاء الراشدون لمسوا فيك هذه السمة البارزة، لذلك استغلوك وحتوا على تعلمك، لا لخدمة الدين والقرآن فحسب بل لخدمة الدولة أيضا، إيمانا منهم بأنك لغة الدين والدولة. هذا السلف الذي لمس فيك كلغة فصحى الطابع الفني، إذ كان الإقبال عليك منقطع النظير، واستبعدوا منك ما عاب من لهجات العرب، فكنت لغة الشعر والأدب والعلوم بمختلف مشارب أهلها، ولغة وحدة منذ العصر الجاهلي، إذ كان من الضروري أن يلتف حولك العرب من كل الجهات، باعتبارك لغة موحدة خالية من الشوائب، منتقاة من لهجات العرب بدقة متناهية، كما حدث هذا لأمم وشعوب أخرى من رومان وألمان وإنجليز وفرنسيين وغيرهم.

فلماذا نبحث عن أسباب الوحدة في غيرك؟ وأنت القادرة على توحيدنا إعلاميا وسياسيا وفكريا؟ وقد كنت كذلك منذ أمد بعيد.
أهو البحث عن وسائل الوحدة؟ أم البحث عن وسائل التشتت والتفرقة العربية؟ ما كانت اللهجات أو اللغات الأجنبية من أسباب الوحدة العربية أبدا. ولكأني بهم بدعواتهم هذه لا يستهدفون الوحدة العربية، إلا بما يسيئ إليها ويساهم في التفرقة والتشرذم، ولا يسعني في هذا المقال إلا أن أقول: اتركيني أبكيك يا لغتي، وأبكي معك، علنا نجد في البكاء عزاء وسلوانا. لك الله من قبل ومن بعد يا لغتي، يا لغة العلم، والدين والدنيا، يا لغة بحور الدرر والجواهر.

-الأبيات الشعرية مقتطفة من قصيدة (اللغة العربية تنعى حظها بين أهلها) للشاعر الكبير حافظ إبراهيم وقد نشرت عام 1903م.

ذ. صالح هشام / المغرب



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.