العقاد والشعر / بقلم: ذ. إبراهيم مشارة / الجزائر



لا يعرف العقاد بين كثير من المتعلمين وبين شبابنا من طلاب المدارس بل وبين بعض المثقفين إلا أنه الكاتب العصامي، الذي اكتفى في تعلمه النظامي بالمرحلة الابتدائية وتفرغ بعد ذلك للقراءة والكتابة، كما أنه صاحب «العبقريات» المشهورة التي جعلته مرحبا بكتبه عند أنصار التيار الإسلامي، بل إن الشيعة الإمامية يحبذون كتابات العقاد عن آل البيت، وليس غريبا أن تجد في مكتبات المساجد في ربوع العالم الإسلامي بعضا من كتبه.

لم يشتهر شاعرا مثلما اشتهر ناقدا أدبيا ومفكرا إسلاميا، فقد طبقت شهرته الآفاق واعترف له بالصرامة والجد والمعرفة العميقة، الخصوم قبل الأصدقاء. على إن عدم شهرته شاعرا آلمته بعض الألم، وكان يداريه خاصة في ندوته الأسبوعية في بيته، وفي أحاديثه الإذاعية ومقابلاته الصحافية، إلى حد أنه كان لا يحبذ الحديث عن مواضيع مثل إمارة الشعر، الشعر الحديث، شهرة بعض الشعراء الشباب. أبدع العقاد كثيرا من القصائد التي احتوتها دواوينه العديدة «يقظة الصباح»، «وهج الظهيرة»، «أعاصير مغرب» «أشجان الليل» و«عابر سبيل» و«هدية الكروان»، والمتأمل في عناوين دواوينه هذه يدرك ـوالعنوان عتبة أولى- حرصه على المنطق والتفكير والحجاج، فما يقظة الصباح إلا بواكيره الشعرية في شبابه وما وهج الظهيرة إلا إنتاجه الشعري في مرحلة فورة الشباب وفتوته، وما أعاصير مغرب إلا توتر الكهولة، وأخيرا تأتي أشجان الليل لتحيل على شجن الشيخوخة بعجزها ووحدتها، واقتراب المرء من النهاية المحتومة، هكذا يختار العقاد الشاعر عناوين تحيل على اليوم في مراحله المختلفة، ولكل مرحلة ميزات خاصة في مقارنتها بسني عمره المعطاء.

بدأ العقاد ناقدا، كما بدأ شاعرا فقد اشترك مع إبراهيم عبد القادر المازني وعبد الرحمن شكري في مدرسة نقدية عرفت باسم مدرسة الديوان لاشتراكهم في كتاب نقدي بهذا العنوان، وإن كان شكري قد اعتزلهما وبقي العقاد والمازني في المضمار النقدي، بجرأتهما وقسوتهما النقدية المعروفة.
حين بدأ شاعرا وناقدا كانت المدرسة الكلاسيكية الرصينة قد بسطت نفوذها مع إسماعيل صبري ومحمود سامي البارودي، ثم حافظ الذي لقب بشاعر النيل وأحمد شوقي الذي قُلّد إمارة الشعر العربي الحديث، وقال حافظ في المناسبة:

أميرالقوافي قد أتيت مبايعـا
وهذي وفود الشرق قد بايعت معي

واللافت أن شوقي وجه الدعوة للعقاد لحضور حفل التقليد هذا، لكن العقاد امتنع عن الحضور وكان بينه وبين الشاعر جفاء وبرودة، خاصة لما كان يتناهى إلى سمع شوقي من نقد العقاد الشديد له إلى حد التهكم من شعره.

وكان النقد في بواكيره فقهيا لا يتعدى النحو والبلاغة ودراسة الأساليب على الشكل المأثور القديم، مع الولع باكتشاف السرقات والاقتباس والتضمين، وقد مثله سيد علي المرصفي وحفني ناصف. جاء شوقي ومدرسة الإحياء بريادة البارودي قد خلصت الشعر من إسفاف العصر المتأخر، ومن الولع بحساب الجمل والتورية والألغاز، وكل أشكال التكلف والتحذلق أي الاهتمام بالشكل على حساب المضمون، أو المبنى كما يقول أسلافنا النقاد على حساب المعنى، وأعادت هذه المدرسة إلى الشعر وهجه وحيويته بتمثل البلاغة الرصينة بلا تكلف، وسمو المعنى والتوجه نحو الناس والوطن، ما جعل الناس يقبلون على هذه الأشعار ويتداولونها ويحتفي بها النقاد والمثقفون، وأمعن الشعراء في الهم الوطني والقومي والديني فزاد حظ هذا الشعر في الذيوع والقبول. وطد شوقي مكانة الشعر في المجتمع، بعد أن خرج الشاعر من التاريخ والحياة معا، وكانت إمارة الشعر اعترافا بريادته الشعرية وانطلاقته، كما كان حافظ رديفا له في الإبداع وتوطيد مكانة الشعر في المجتمع، خاصة أن حافظ توجه إلى الجماهير الكادحة.
وكان العقاد في بواكيره الشعرية ينزع منزعا ذاتيا وتأمليا، يتأمل ذاته والعالم، فيأتي شعره صورة لنفسه المفكرة المتأملة المتعمقة لجوهر الشيء، وقد كانت جماعة الديوان تتخذ من بيت لعبد الرحمن شوقي شعارا لها:

ألا يا طائر الفر
دوس إن الشعر وجدان

وقد ناقش العقاد في مقالاته النقدية الوحدة العضوية، وكون الشعر صورة عن النفس، واستحالة تقديم بيت على آخر، دون انهيار معنى القصيدة لوجود رباط عقلي ووجداني بينها كما أن الشاعر هو الذي ينفذ إلى لباب الشيء ليقول لك ما هو لا الذي يعدد الأشياء في إشارة ناقدة إلى شوقي.
نقد شديد لشوقي وجفاء طبع علاقتهما حتى بعد رحيل شوقي ولم يغير العقاد موقفه ويحلو لبعض النقاد تعليل ذلك باختلاف أصولهما، فالعقاد يعود في منبته لأسرة كادحة بسيطة بينما شوقي يعود لأسرة وجيهة غنية، وهكذا يختصر الخصام في خلفية طبقية وهو رأي فيه إجحاف كبير. لقد فتح العقاد الشاعر والناقد عينيه على ثقافة الدنيا وتمثل هموم عصره الفردية والوجودية وآمن بأن الأدب الذي يعبر أصدق تعبير عن هذا العصر هو الأدب الجديد لا السير على منوال القدماء فقط دون هدم الأصول (الأدب السلفي كما يسميه). ومن أجل ذلك توجه في ديوان «عابر سبيل» إلى الكادحين والمهمشين وجعلهم مثار تأمله أسوة بشعراء الإنكليز، فلما كان الناس والمهمشون أو البسطاء هم جزء مهم من الحياة، وما دام الشعر هو تعبير عن الحياة في عنفوانها وانحطاطها، في جدها ولعبها، في صدقها وتهافتها فلا بد من أن يكون الشعر صورة صادقة عن ذلك، ولا بد من أن يتناول الإنسان ويجعله موضوعا للتأمل الشعري.

يرى زكي نجيب محمود، أن العقاد غلب عليه التفكير والحجاج والتحليل واستقصاء الفكرة مصداقا لحياته الصارمة الدقيقة، لذا جاء شعره شعر برهان وحجاج وتحليل وتعليل، وهو أول من أطلق عليه لقب شاعر الجلال لولعه بالجليل والعظيم، ولربما كان في البنية الجسدية له من طول القامة واعتداد بالنفس وولعه بأخبار العظماء والقادة، وهو ذاته لم يكف عن القول إن التاريخ صناعة فردية، كل ذلك جره إلى التعلق بالمثل العليا والتركيز على عظائم الأمور وانعكس ذلك على شعره فجاء صورة صادقة عن تفكيره واهتمامه. كما ذهب شوقي ضيف هذا المذهب في تعليل عزوف الناس عن شعر العقاد، واهتمامهم بكتاباته الفكرية، كون شعره عمارة منطقية تتميز بالجفاف والبرودة في آن معا، قياسا إلى شعر أبولو مثلا عند علي محمود طه وأحمد رامي والهمشري وصالح جودت وغيرهم.
وهذا الرأي يصح، ولكن لا ينفي وجود كثير من القصائد عنده اتسمت بالغنائية الشجية، وعدم الولوع بالحجاج الذي يرهق القارئ، ففي هذه القصائد انطلاقة وانسيابية شجية مثل قصيدة ظمآن:

ظمآن لا صوب الغمام ولا
عذب المدام ولا الأنداء ترويني
أصاحب الدهر لا قلـب فيسعدني
على الزمان ولا خل فيأسوني
يديك فامح ضنى يا موت في كبدي
فليس تمحوه إلا حين تمحــــــــوني

وقد خاض العقاد أكبر معركة مع الجيل الجديد من الشباب رواد الشعر الحديث أمثال، صلاح عبد الصبور، أمل دنقل، أحمد عبد المعطي حجازي، نزار قباني، ومع الحاضنة النقدية لهم، رجاء النقاش وعبد العظيم أنيس ومحمود أمين العالم ولويس عوض، وكان يسمي شعرهم بالشعر السائب، ويرى أنه مجرد هجص وتجديف، مستخدما أقذع العبارات في حقهم، مؤكدا أن هذا الشعر سيؤول إلى التلاشي والزوال وكان يحيل قصائدهم لما كان مقررا للجنة الشعر في المجلس الأعلى للآداب والفنون على لجنة النثر للاختصاص، وكان الشعراء الشباب يردون عليه باحتشام، لكن صلاح عبد الصبور تجرأ وكتب مقالا عنيفا جعل عنوانه «والله موزون» متهكما من العقاد، الذي رأى أن هذا الشعر ينقصه الوزن، وأن الشعراء الشباب نظرا لعجزهم لاذوا بهذه النوع من الشعر، وقد تحداهم أن يكتبوا قصيدة عمودية وكانوا يرفضون لا عجزا، ولكن إصرارا على الانتهاء من الشكل القديم للقصيدة العربية، وقد نظمها عبد الصبور مرة وأقلع كرد فعل على تحدي العقاد لهم.

برر العقاد القصيدة على النمط العمودي كون الشاعر لا بد له من القيود، وقيده الوزن والقافية، فالشاعر الحقيقي لا يعجزه هذا القيد عن التعبير والانطلاق وهنا يتميز الشاعر عن المتشاعر، فالشعر مثل الرقص، إن الراقص هو الذي يذهب إلى غايته فنيا وهو يقدر على المشي، وكذا الشاعر هو الذي يلتزم بالقيود، دون أن تحد من انطلاقه وحريته. وقد تنبأ بنهاية الشعر الحديث وانصراف الناس عنه، وعودة القصيدة العمودية إلى الصدارة، سواء أكانت شعرا على النمط القديم، أم مرسلا أم متنوع القوافي على غرار فن التوشيح، وهذا يكفي كتجديد لوجه القصيدة وخلاياها، إلا أن الذي حدث أن طلاب الشعر الحديث تكاثروا وتعدد المبدعون له، كما تعلق الناس بهم خاصة في منزعه الجماهيري، وطموحات الكادحين والإخفاق السياسي، فذاعت قصائد أحمد عبد المعطي حجازي وأمل دنقل وصلاح عبد الصبور ومحمد عفيفي مطر والسياب والملائكة ونزار قباني والبياتي وغيرهم، ولم يكتف المبدعون اللاحقون بالوقوف عند الحدود التي رسمتها نازك الملائكة في «قضايا الشعر المعاصر»، بل أمعنوا في التوليد الهدام للمعنى بتوصيف جوليا كريستيفيا، والمبنى كذلك حتى انتهوا إلى إطراح الوزن مكتفين بالإيقاع الداخلي، وها هي قصيدة النثر تطرح نفسها كبديل حضاري وثقافي وفني، وتراهن على البقاء والصمود أمام عوادي الزمن.

ذ. إبراهيم مشارة / الجزائر


عن: العقاد والشعر | القدس العربي (alquds.co.uk)



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.