قراءة في قصيدة “أريدك..!!” للشاعر الحسن أسيف / بقلم: ذة. أمينة نزار / المغرب


أريدك..!!

أريدك أنشودة طائر
يعلن قدوم الفجر
أريدك..
ريفا بلا أسيجة
بلا ضجيج..
بلا صراخ.
أريدك..
ليلة تهب عليها
رياح حلوة
تختلط بمذاق البحر
فترقص سفنه
وتتجه نحو بلاد الأحلام.
أريدك..
صادقة الحرارة
متقدة الروح
متوثبة الفكر
مدبجة القلم.
أريدك..
بلا هموم..
بلا قيود..
في كل الأيام..
كل الشهور..
وكل السنوات.
أريدك..
مصدر إلهام
لشعري ونثري
أحبس نفسي
بين أضيق الجدران
وتلفني روحك
بفرحة الوجدان.
أريدك..
فبدونك..
النظم يفقد روح الشعر
والليل يفقد الشاعرية.
أريدك فأنت..
صورة ناطقة..
زاخرة بالمُثل..
ومُتحلية بالقيم.

ذ. الحسن أسيف / المغرب


القراءة:
أبدأ قراءتي المتواضعة هذه من عنوان النص “أريدك” والكلمة في رأيي تحتمل أكثر من معنى، إذ يمكن أن تكون بمعنى “أحب أن تكوني” أو بمعنى آخر هو أقرب إلى الكلمة الفرنسية ” je te veux ” أي بمعنى الرغبة..
“أريدك” الواردة في النص تتجاوز المعنيين معا، لترقى إلى مستوى الموقف، وتحديد اختيار معين، بمواصفات يحددها الشاعر بكامل إرادته ووعيه، ينطلق فيها من قناعات ومبادئ وقيم يؤمن بها ويتبناها، ويتحمل مسؤوليته كاملة في ذلك..
“أريدك” تكررت في النص تسع مرات دون احتساب العنوان، وهذا يعكس إصرار الشاعر وإلحاحه على توفر هذه الأوصاف في مخاطبته، مما يعكس أهميتها وقيمتها المعنوية لديه..
“أريدك” تأخذ أيضا ومن خلال النص بعدين اثنين: فهي حينا تعبر عن متمنيات: “أنشودة طائر… ريفا بلا أسيجة… ليلة تهب عليها رياح حلوة…
وحينا آخر تعبر عن الرغبة في الحفاظ على مكتسبات موجودة وتكريس وضع قائم يخدم تطلعات الشاعر ورغباته مثل: أريدك صادقة الحرارة- متقدة الروح- متوثبة الفكر- مدبجة القلم… وكأن الشاعر يقول لمخاطبته “اريدك كما أنت، صادقة الحرارة….”
فهذه الأوصاف لا تتحقق تحت الطلب أو بناء على رغبة شخص معين، فهي جزء من مكونات الشخصية، تكون أو لا تكون.
هذا من حيث الشكل، أما من حيث المضمون فيمكن تقسيم هذه المواصفات التي يريدها الشاعر في مخاطبته إلى:
*مواصفات روحية وجدانية: ينطلق فيها الشاعر من رومانسيته الحالمة:
*******
-أنشودة طائر يعلن قدوم الفجر مع ما يرمز إليه الفجر من انتهاء ليل دامس وانبلاج نور الأمل والتفاؤل.
-ريفا بلا أسيجة: الريف يرمز إلى العودة إلى الأصل، إلى الرحابة والامتداد الذي يوحي بإحساس لامحدود بالحرية، كما يرمز إلى السخاء والقدرة الكبيرة على العطاء… ويرمز أيضا إلى الهدوء والسكينة التي يريدها الشاعر دون ضجيج ولا صراخ.
أما الأسيجة فتحمل عدة دلالات، فهي تعني وضع الحدود وتثبيت الملكية، كما يتوخى منها حماية المجال من المتطفلين من بني الإنسان والحيوان على السواء، وحتى من بعض التقلبات الطبيعية….
-بلا هموم ولا قيود في كل الأيام والشهور والسنوات: يريد الشاعر أن تكون مخاطبته متمتعة بكامل حريتها دون قيود مادية أو معنوية مع توفر شرط الاستمرارية، فهو لا يقبل بوضع مؤقت بل يريدها كذلك على الدوام.
-ليلة تهب عليها رياح حلوة…. ينتقل الشاعر من المجال الريفي إلى المجال البحري، لما بينهما من التشابه في الخصائص السابقة الذكر، وما يوحيان به من إحساس بالحرية، والقدرة على الحلم بكل أنواعه وعلى الإلهام أيضا…
ويؤكد الشاعر على الرغبة في أن تظل مخاطبته هي منبع إلهامه، فبدونها يفقد الشعر روحه وطعمه ويصبح ليله دون شاعرية..
-صادقة الحرارة، متقدة الروح: والمقصود هنا حرارة المشاعر وتأججها وصدقها، بروح حية تتفاعل مع الأشياء والأحداث بقوة، وقادرة على احتوائه في لحظات احتياجه إليها.
*مواصفات فكرية: يريدها بفكر متوثب يقظ، مستعد للفعل ورد الفعل، وبقلم مدبج.
قادر على الخلق والإبداع..
*مواصفات قيمية: وهنا ينتقل الشاعر من التمني إلى الوصف “أنت صورة ناطقة.. زاخرة بالمثل.. ومتحلية بالقيم”.
مخاطبة الشاعر هنا ليست محايدة بل هي حاملة لمبادئ وقناعات ومثل.. وهو يعترف بوجودها ويريدها أن تبقى كذلك.
وهذا يؤكد ما ذكرته سابقا عن “أريدك” فهي في جزء منها تعني أريدك كما أنت…
النص في شكله يبدو بسيطا من حيث صياغته وسلاسة المفردات التي وظفت فيه لكنه من حيث المضمون أعمق بكثير، يعبر عن نظرة حداثية راقية للمرأة، تقدس إنسانيتها وتحترم فيها مقوماتها الروحية والفكرية، كما تحترم مبادئها وقناعاتها، تترفع عن كل ما هو مادي رخيص وتتجاوز ما هو شائع ومستهلك.
فتحيتي وتقديري الكبيرين لصاحب هذا الفكر الراقي المتحضر ولهذا الإبداع الجميل الذي استفز قلمي وجعلني أعود إليه كما وعدت سابقا.
أتمنى أن يكون العود أحمد…..

ذة. أمينة نزار / المغرب



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *