زوابع الصمت (قصة قصيرة) / بقلم: ذة. ليلى عبدلاوي / المغرب


عند الظهر دخل البيت كعادته يسبقه كلام بصوت مرتفع.. تأخرت قليلا في فتح الباب لأنها لم تجد فردة الحذاء التي كانت مقلوبة تحت الأريكة.. دخل وهو يسب ويلعن.. دخلت المطبخ تعد الطعام في صمت وهي تشكو انقباضا في صدرها لم تكن تجد سوى الصمت تقابل به صراخ زوجها في آناء الليل وأطراف النهار.. كان في فظاظته اليومية كالثور يهيج لأتفه الأسباب.. متخذا إياها فريسة يصب عليها جام غضبه.. وخيبة أمله في حياة كان ينتظر منها الكثير. والطريف أنه لم يكن يشعر بأثر كل ذلك على نفسيتها المرهفة. وطبعها الحساس.. شكله الذميم.. إضافة الى طبيعته الفظة وغلظ قلبه.. صفات أبعدت كل الناس عنه بما في ذلك إخوته وأخواته وأفراد عائلته القريبين والبعيدين.. بل إن أولاده أنفسهم كانوا يتحاشون الاصطدام معه في النقاش.. ويؤثرون البعد عنه ما أمكن.. كان في لسانه شواظ من نار. يحرق بها كل من يقترب منه.. وفي حدة كلامه وعلو صوته سد يقطع الطريق أمام كل من يحاوره. كان كلامه دائما يعلو ليس بالحق ولكن ظلما وعدوانا… قادتها عفويتها إلى أن تسأله ذاك الصباح: -متى تنوي استدعاء عامل الصباغة ليطلي الجدران.؟
بهتت وأسقط في يدها.. وهي تسمع رده العنيف-.
دعيني ارتاح قليلا من عناء العمل. أتظنين أنى حمار.. يحمل اثقالا؟
ثم غادر الغرفة وفي فمه سيل من الشتائم.. والكلمات النابية القذرة، مرة أخرى لم تجبه.. ومرة أخرى آثرت الصمت. لأنها كانت تعرف أنه سيحتد أكثر.. فيكفهر جو البيت ويستاء الأولاد ويكتئبون.. ويسترق الجيران السمع وراء النوافذ شبه المغلقة. ليتخذوا الخبر موضوعا لذيذا يلتفون حوله في موعد الطعام.. لم تكن تلك هي المرة الأولى التي تقابل شتائمه ووعيده وتهديده بالصمت.. بل إن ذلك أصبح ديدنا لها في حياتها معه منذ سنين. كانت تسمع أن الزواج مودة ورحمة.. لكنها كانت تجد حياتها معه خالية من كل أثر لهما بل ان شرطا مهما بالنسبة لها لم يكن له وجود منذ البداية وهو الاحترام الذي كانت تراه أهم من الماء والهواء.. ورغيف الخبز.. اعتداء شبه يومي على آدميتها تقابله.. بساعات من صمت… بل أسابيع. ثم لا تلبث أن تسامح.. وتعفو.. وتحاول أن تتعايش مع هذا النصيب.. ليس من أجله أو من أجلها.. بل من أجل أولاد أبرياء يحتاجون لأن تستكمل بهم السفينة طريقا إلى ان يطأوا أرضا صلبة… لكنها هذا الصباح.. أحست أن شيئا ما قد تمزق بداخلها.. أحست ان جانبا منها اخطأه نور الصباح.. كانت سواء فتحت عينيها ام اغمضتها لاترى ااا السواد! اندهشت للأمر. فتحت النافذة.. لا وجود للنور.. ترى اين اختفت الشمس؟ تذكرت شيئا قرأته عن سكان القطب الشمالي وليلهم المتواصل حاولت أن تنادي أحدا.. لا أحياء في الحي.. كأن المدينة تجمدت بمن فيها.. وتحولوا جميعهم إلى تماثيل خرساء… حاولت أن تصرخ، خانها الصوت، استنتجت أن صمتها الطويل ألجم حبال صوتها وأعجزها عن الكلام.. عادت الى مكانها وهي تعلل نفسها ان ما تعيشه حالة مؤقتة.. وأنها لا محالة ستعود إلى طبيعتها.. أخذت دموعها تنهمر بسكون.. ثم تحولت إلى نحيب متقطع. فعويل يشق الجدران.. توجهت إلى حيث الماء.. توضأت وجلست تصلي بلا صوت.. والدموع تغسل السجادة… وعند أصيل اليوم التالي.. اتجه صياد القرية المطلة على البحر إلى مخفر حراسة الميناء حاملا في يدها حذاء نسويا من الطراز الرفيع.. وحقيبة يد تحتضن أوراقا رسمية ومبلغا مهما من مال.

ذة. ليلى عبدلاوي / المغرب



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *