تتداعى الجهاتُ من حولي، تنفلتُ كزئبقٍ لا تضبطه قبضتي، وكأنَّ البوصلةَ قد فقدت عقربها في لجةِ الذّهول. أتركُ الصدأ يورق على جدران الصمت كخريفٍ دائم يتيبس بين جنباته كل شيء حتى الفراغ. يسودُ في غابة وحدتي هدوءٌ جنائزيٌّ لا يخدشُ وجهه إلا نعيبُ الغراب الذي يقتاتُ على بقايا الصدى، وفي الروح مرجلٌ يغلي، تفورُ منه الدماءُ كأنها أنهارٌ ضلت سبيلها.
مشتّتة أنا في ممرٍّ ضيقٍ تسرحُ فيه أطيافُ الغائبين، ظلالهم أنينٌ مختبئٌ في رئة المدى، يزفرُ في أذني وشوشاتهم كلما حاولتُ التقاط أنفاسي. لستُ “نرسيس” المأخوذَ بفتنته، فما عادت تعنيني ملامحي منذ أن استيقظتْ صورتُك في أحلامي كفجرٍ شقَّ يأس الليلَ بفأس الأمل، منذ أن تماهيت بتقاسيمك لألمحها انعكاسا في وجهي، حينها فقط شهدت قيامةَ الجمال من مرقده، فمن عينيك أبصرت الربيعَ وهو يطرزُ قميصَ الحياة بألوان الأرض، خالعاً عنها أثوابَ الفجيعة التي ارتَدتها نوائب الأزمان.
أتوضأُ بدمعِ الغمامِ لأتعمدَ بقدسيةِ الألم، ومن شقوقِ الانكسارِ أستلُّ سيفَ انتصاري. في كلَّ ندبةٍ ملأت روحي هناك ثغرةٌ ينفذُ منها نورُك.
يا حبيبي، ادنُ مني.. اقترب ليرتدَّ الموجُ خائباً لينحسرَ المدّ عن صومعة عشقنا. ألم تبلغك رياحُ الوجدِ بالبشرى؟ ألم يخبرك الحمامُ الزاجلُ بأننا كيانٌ واحد؟
لقد كنتُ الأسبقَ منك في خوضِ غمار الكشف عن الحقيقة فأنا نهلتُ خمرةَ العشقِ من دنانها حتى ثملتُ باليقين، بينما كنتَ أنتَ تهربُ من ظلك، وتخشى أن يبتلعك النورُ الذي في داخلي. اقترب، فما كان الهربُ يوماً طريقاً للناجين، وما كان العشقُ إلا قدراً يختارُ أبطاله بدقة لم تعهدها يوما.
ذة. سامية خليفة / لبنان

