قصة قصيرة: امرأة من تمر هندي / بقلم: ذة. شوقية عروق منصور / فلسطين


لم يعد أمامها إلا أن تضع الطربوش الأحمر على رأسها، نظرت في المرآة، اخترقت الشبح الأنثوي المبتسم، وتغلغلت في ذرات الفضة اللامعة التي تحضن خوفها، كيف سيكون رد فعل الناس؟ هربت الإجابة إلى فضاء مشغول بحيرة ملفوفة بالحاجة للعمل، على صفحة المرآة امرأة ترتدي “الشروال” وسترة حمراء مزخرفة ومطرزة بخيوط مذهبة، عليها الآن أن تضع الطربوش على رأسها حتى تكتمل صورة الفتاة التي عليها أن ترضي صاحب المطعم الذي تردد في فصلها من العمل، وجد أن بيع شراب التمر الهندي أمام باب المطعم على حافة الرصيف، قد يحول دون فصلها الذي سيؤدي بعائلتها إلى الجوع..
نظر إليها صاحب المطعم، ها هي الفكرة التي كانت مستحيلة تنزل إلى الشارع وتتجسد بامرأة، ستبيع شراب التمر الهندي، مهما كانت تعليقات المارة ساخرة وساخنة في مرارتها، يكفي انها وفرت للعائلة منفذاً للعيش بدلاً من التسول..
نادى صاحب المطعم على أحد العمال وطلب منه الإبريق النحاسي الذي يمتلئ بشراب التمر الهندي، رأت الإبريق النحاسي الضخم قادماً فخافت من الدائرة النحاسية التي يتوسطها الحزام الذي ستربطه حول خصرها، عنق الإبريق الذي سينساب منه الشراب بمثابة الشبح الذي غرس في قلبها طعنة الوجع الخفي.
وقفت على حافة الرصيف، على ظهرها الإبريق النحاسي المليء بشراب التمر الهندي، الطربوش على رأسها يشعرها بأنها فتاة مضحكة أشبه بالمهرجة، خجلت، حاولت تغطية وجهها، لكن الطربوش يميل تارة إلى اليمين وتارة إلى اليسار، ضربت الطربوش بقبضة يدها فضغطته حتى التصق بجلدة رأسها، تأوهت، فالضربة أوجعتها، شعرت أن رأسها يعاني من ثقل، لا تعرف هل من ثقل الطربوش أم من شدة الخجل؟؟ أشار لها صاحب المطعم من النافذة بإصبعه.. عليها أن تدق بالصاجات النحاسية حتى يصل صدى رنينها إلى آخر الشارع ويسمعها المارة…
وقفت… صوت الصاجات النحاسية خافت.. عاد صاحب المطعم وأشار إليها بأن يكون الرنين أعلى، لقد قرأت في عينيه الغضب ولمحت بوادر الطرد…
تلاشى الخجل وحل محله الانتظار الكئيب…. أمسكت بالكأس على أمل أن يمتلئ وتبيعه لأول عطشان أو عطشانة، مرت عدة دقائق، لا احد ينظر إليها، كأنها غير موجودة
مر بائع تمر هندي، وقف أمامها، حدق بها، اغتصبت ابتسامة افترشت ذلاً على ذقنها التي ارتجفت، البائع لم يخف دهشته، ابتسامتها تحاول جره إلى الابتعاد عن المكان، لكن هو أصر على الوقوف لأنه اعتبر وقوفها في هذا المكان، قمة التحدي له ولشرابه واخذ يتمتم -عشنا وشفنا- نسوان آخر زمن….
لقد توقعت كل شيء، شتائم، استخفاف، معايرة، نكات رجالية سخيفة، نظرات نسائية تحمل الاحتقار، ستتحمل وتصمت فهي بحاجة إلى أي عمل…!!
-تربية أرملة- سمعتها أول مرة من فم عمها حين أصرت أن تعمل في احد المصانع، ثم تكررت حتى أصبحت موالاً يتباهى عمها في غنائه الرجولي المتباهي كالمعتاد، ثم طور الموال فصار ينادي عليها (بنت الأرملة) وكلما سمعته ازدادت في عنادها لأنه لا يرحم فقرهم وأمها تردد في صمت -لا برحمك ولا بخلي رحمة ربنا تنزل علينا-
قتل والدها بعد أن سقط عن سطح عمارة كان يعمل في بنائها، ويقال أن احد العمال دفعه عن السطح، وهناك رواية أخرى تقول أن الذي دفعه كان المقاول المسؤول وقد كان يهوديا وأراد الانتقام من العرب بعد أن قتل ابن شقيقه في عملية تفجيرية.
كان عمرها آنذاك خمس سنوات وشقيقتها لم تتجاوز السنة، لم تتزوج أمها بعد موت زوجها، مع أن الجميع راهن على زواجها، لأن لا احد سيساعدها في المصاريف وتربية البنات.
لم تتعلم سوى للصف الخامس وبدأت تساعد والدتها في العمل، في تنظيف البيوت وفي قطف الزيتون وفي الخياطة وفي مصنع للمخللات، آخر مرة تم فيه فصلها من مصنع المخللات قررت الانتحار!! ماذا ستعمل أمام الديون المتراكمة وأمها المريضة وأختها الصغيرة، لقد كرهت الفقر الملتصق بحياتها والذي يجعلها ضعيفة وضائعة، لكن تراجعت خوفاً من كلام الناس الذين لن يصدقوا أن الانتحار وراءه حكاية فقر فقط.
عندما قرأت الإعلان أو الورقة المثبتة على واجهة المطعم الزجاجية، والتي يطالب فيها صاحب المطعم بعمال قررت أن تسأله إذا كان بحاجة إلى عاملة أيضاً، الدهشة سيطرت على ملامحه عندما سألته، لكن وجد فيها شيئاً جديداً، شجاعة امرأة مازالت مغطاة بطبقة من الخجل البكر والعناد المثير..
عملت في مطبخ المطعم، لكن أراد صاحب المطعم استغلال ما تبقى من حاجتها للعمل وقد تفتق ذهنه عن بيع شراب التمر الهندي أمام المطعم، واختار ليلة رأس السنة لكي تبدأ في بيع الشراب.
ما زال الرجل الذي يبيع التمر الهندي واقفاً أمامها، مباراة خفية بينهما، من سيبيع أولاً الناس تمر أمامهما، تنظر اليها وتنظر إليه، احدهم همس لرجل آخر:
-الزلام بطلوا يستحوا… مشغل مرتوا معاه في بيع الشراب-
ضحكت هي، أما هو فركض وقال للرجل (هاي مش مرتي) الغضب يفترش أصابع الرجل المرتعشة التي عجزت عن دق الصاجات، لم تهتم هي واعتبرت الساحة حلبة مصارعة بينهما وأخذت أصابعها تدق بالصاجات كأنها تريد أن تؤكد له أنها تسيطر على الساحة.
لم يسمح لها بالانتصار عليه، هجم عليها بغتة وانتشل الإبريق من وسطها وسكبه على الأرض نظرت إلى الشراب المسكوب، جن جنونها وهجمت عليه حتى أسقطته على الأرض فقام هو بشدها فسقطت، وبدأ الناس يتجمعون حولهما ويضحكون عليهما، نظرت من بعيد فرأت صاحب المطعم يضحك عليهما ايضاً، قامت و”شروالها” يقطر شراباً، أمسكت بالإبريق الفارغ وتوجهت نحو باب المطعم الذي كان يسده صاحب المطعم بقامته، ألقت بالإبريق على صدره وقالت بتصميم: مليه كمان مرة….!!
وقفت على الرصيف، لم تعد تكتفي برنين الصاجات بل أخذت تنادي بأعلى صوتها “شراب تمر هندي، شراب تمر هندي”.
أما بائع التمر الهندي الذي سكب شرابه على الأرض، فقد وقف وإبريقه يئن من بقايا الشراب الذي تحول إلى خليط من الغبار والشراب.
لم يعد الرصيف مكاناً لبيع شراب التمر هندي، اعتبرته حلبة للمواجهة مع الذين يحاولون الاستخفاف بها، انها الآن قوية تدافع عن وجودها، ولن تفكر بالانتحار.

ذة. شوقية عروق منصور / فلسطين



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.