كرات الثّلج (قصّة قصيرة) / بقلم: ذة. سعيدة محمد صالح / تونس


– الصّباح بارد جدّا، يدها ترتجف، وهي تمسك بكرات الثّلج، ترميها في كلّ صوب وحدب وتظلّ تتبعها بعيون. منفتحة، تتخيّل المكان الذي ستذوب فيه كراتها البيضاء، التوأم لياسمين أحلامها التّي وأدها بغيابه القاسي، لم يكن حبيبا عاديا ولا زوجا صالحا حتًى أنًها وقفت بدونه في وجه عاصفة الأمومة وما تعنيه من مسؤوليّة، تجتهد لتّوّفق بين بيتها وعملها، تتجنّب الخوض معه في المواضيع اليوميّة هروبا من صراخه، ويده الطّويلة قبل لسانه غالبا،

– تشرد في أمسها حتّى يذوب قلبها وينسكب دمعها منهمرا في لجّة صباح بارد، منهمك في ترتيب ثوانيه وتأثيث الغيوم ببعض من الشّعاع، المتسربل في الغابة،،، تجادل الثّلج لم يذوب بسرعة؟
وتجادل الكرة لم تترك فجوة لا تكاد ترى على أوراق الأشجار المتهالكة والمتداعيّة للتٱكل؟
كما ترك رحيله فجأة فراغا هي نفسها لا تفهم، لم تشتاقه بكلّ هذا البرود، وهي تتذكر والدتها عندما سألتها في بداية زواجها عن الحياة الجديدة، كانت تراوغ ولا تجد جوابا يليق بنوع هذا الجديد في حياتها؟
بين ساعات أيّامها، فقد كانت بارعة وهي تسرّب لها شعور اطمئنان، لأنّها لا تريد العودة لسجن زوج أمّ انانيّ،
وحيث تمّكّنت أخيرا من السّير خطوة نحو ذاتها، رغم الغيبوبة التّي يقضّي فيها زوجها أغلب وقته، كان لا يتوارى عن اعترافه بالجميل لها، وأنّه يحبّها، مدين لها بعنايته بالأمور كلّها، ولطاقة الصّبر التّي تحلّت بها، وهذا كاف لتكون انسانا له قرار، لقد سئمت حياة الهامش القديمة
لقد نعمت معه برؤية مأساتها
تذوب بنعومة في خلايا الجذوع،،، العميقة في روحها

– لم يكن يؤلمها عجزه، بقدر ماكان تؤلمها رؤيته يؤذي نفسه، بالادمان على شرب الخمر، وزاد الوضع سوءا رفضه للعلاج

– وكلّما عادت مشاهد من أمسها معه تزداد قوّة قبضتها على كتل الثّلج لتعيد تشكيل هيكل كبير، يشبه تماما، ذاك الأسمر بعيونه الكستنائيّة الحادّة الغضب، والهادئة القول، والغامضة الفكرة، والواضحة الفرح، والرّاقصة تحت الشّمس والمختفيّة في ظلال العتمة،،، أتقنت تشكيله، برعت في نزع الخجل عن فرحها، حين لمع وجهها على مرٱة الألماس الثّلجيّة المتاخمة لرجل الثّلج الذّي دخل حياتها اثر صفقة أجرتها والدته مع زوج أمّها وخرج ليترك لها مكانا تبني فيه طموحها،،، وعادت لتشكيل كرات ثلجيّة أكثر سماكة، وانهالت على المرٱة تهشّمها،، وتغتال صلابة الثلج وشفافيّته الزّجاجيّة المؤقتة الصّمود،، أمام غضبها
المجنون والصّامت، لتركن للحظة انطفاء كمن وضع جمرا ملتهبا في ماء، كانت يداها تعدّ لها وليمة وداع وهي ترى الكرات تحدث تشققا في صدره و ينحدر ماؤه منسكبا للأديم الأرض الفاره الضّيافة لكلّ زوّاره،، لقد عاقبت من تركها،، وتبخّر كذكرى في السّماء، وكلّ ما بقي منه
شاهد على قبر،، كلّما زارته جمعت منه صدى لخواء روحها .

ذة. سعيدة محمد صالح / تونس



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.