رسالة رواية “ألف” لباولو كويلو / بقلم: ذة. نعيمة عبدالحميد / ليبيا


بدأت “ألف” تسرد حكايتها، تقرب مجهر الروح من الذوات المحيطة والقريبة وتكشف الذات التي طالما كانت بعيدة عن الخارج وتلقي اللوم على تلك الذات في كل معوقات تصادفها، إلا أنها عادت من رحلتها متصلة بهذا الفضاء تخبرنا أن الله واحد والكون واحد والذات واحدة؛ لذلك نحن محكومون بالاتصال والتوافق؛ فكلنا أمام الرب واحد، لنا أحلامنا وآمالنا وأمنياتنا المتشابهة وحتى ظروفنا الخانقة مهما تعددت اللغات والأديان، بل، والطوائف.

نتفق في اللجوء إلى الصمت ليكون سيد المواقف الذي تتكئ عليه آلامنا الكبيرة كباب مغلق يضم خلفه الكثير من الأشياء المبهمة والمعروفة لكنها بلا تفسير. إذا لسنا غرباء عن بعضنا البعض فنحن واحد، وكل ذات لها عدوها الباطن وفي محاربتها له يكتمل لها النصر الحقيقي على أعدائها من الطاقات والرغبات السلبية حتى تنتقل إلى مرحلة الفهم الأعلى لنفسها وبالتالي يسهل عليها فهم الحياة قاطبة؛ فكل الذوات التي نعرف ونقابل هي ذات واحدة تحب ما نحب وتكره ما نكره والاختلاف الذي نراه هو اختلاف الأنا الخاصة ونظرتها للأمور وطريقة علاجها والمعرفة بذلك.

وحتى تحب الذات ذاتها وتتصالح معها وتحب للآخر ما تحب لنفسها يجب أن لا نقوم بعزلها وجلدها كعقاب بأخطاء كانت نتاج مواقف أو أشخاص لم يكن بوسعها التعامل معها بشكل جيد لنقص معرفي أو ثقافي، بل يجب دعمها ودفعها للنجاح والقوة والتقدم إلى الأمام. فكلنا نبحث عن ذواتنا ونتساءل من نحن: وحين نواجهها أمام مرآتها نظن أنها تكشف لنا عن وجهها الحقيقي فتظهر الأنا الخاصة وبمجرد ظهورها لحظات نرضى ثم نعاود البحث عن أنفسنا من جديد. وبما أن الذات واحدة مرتبطة بهذا العالم الكوني الواحد فحري بنا أن نعود بها إلى الفطرة والطبيعة وسريان الأمور من حولها بشكل مريح دون تدخل قلق فالأطفال وحدهم تسير خطواتهم بسهولة ويسر مهما تعثرت، فنعيم الطفولة لا يحتوي على حواجز ذهنية تعيق تحقيق الأحلام ولا يفقدونها بسبب ظنونهم ولا احتمالات سلبية محاطة بعقولهم. فعلينا إيقاظ الطفولة وإعادة الدهشة بالتفاصيل الصغيرة كأن تمر فراشة فيركض خلفها طفلنا الداخلي بكل حرية حتى تشع الروح جمالا وتغييرا إلى الأفضل ملتقطة كل ذبذبات الفرح والنعيم؛ فهي تسهم بشكل كبير في تشكيل مشاعرنا التي نعيشها ونوجهها ونتفهمها وهي تساعدنا في تفسيرها من أي اتجاه أتت حين تأتي وتتلبسنا برهة على حين غرة نضعف أمامها، نقول أشياء لم يسبق لنا قولها وحين تتلاشى نعود نتأمل ما قلنا أو كتبنا فنجده بعيدا عنا، وهنا يأتي دور الروح الصافية لتحدد منبع الشعور، لربما كان من روح محيطة؛ فالروح تصول وتجول تقدم لنا خبايا الحياة في حال كنا في سلام داخلي وابتعدنا عن العالم المادي، تحتل بدورها صدارة الأحاسيس، ترتب المفاهيم الكثيرة التي لا نصل إلى كنهها في حالة ارتباطنا بالجسد؛ لذلك تكتمل سعادتها بسعادة الأرواح القريبة وذلك لشدة تأثرها بها؛ فحياتنا أبعاد ونحن مركزها وعلينا ضبط أنفسنا والتسليم لله، وعيش اللحظات الآنية لأنها ترسم خطوط الطول والعرض للمستقبل، ولا نفسدها بتذكر الماضي وأحزانه حتى تهدينا عطرها الأزلي وندخل في مجالها نضاعف لها التفكير الإيجابي وتفتح لنا نوافذ الاستشعار ونلتقط إشارات وهبات حتى نعري الأشياء ونستطيع كشفها بأرواحنا المحلقة بكل نقاء وإيمان مطلق برب الكون.

ثبات الأجساد لا يعني أن الروح واقفة بلا حركة فهي تدور بشكل لا نهائي تستقبل الرسائل التي تقرأها الأعين حين تفتقر الذات إلى الإلمام بها بشكلها التقليدي. وعلى ذكر الرسالة؛ فالكلمة رسالة وإتقانها وتعلم فنون الاتصال والرد ينهي الخصام، في أحايين كثيرة نقول كلمات تخلو من الإحساس ونطلقها دفعا لموقف أو حرج فنجد الشعور بها وصل للمتلقي وقد أخفقت هي في تحقيق الهدف، ولذلك فإن العيون بوابة مفتوحة يعبر منها الآخرون إلى دواخلنا، كما أن للصوت مهمة يؤديها بارتفاع وانخفاض نبراته وكثيرا ما باح عنا، وبفضل قوة الحدس تضاء الدروب المبهمة، كما تفضحنا إشارات وإيماءات الجسد وهي لغته الأولى المعبرة عن الذات القديمة والحديثة فهي صالحة لكل زمان ومكان حسب ما تطلبه العملية الاتصالية.
كان ولا يزال للماضي نصيب الأسد يأكل خطواتنا الساعية لجني ثمار المستقبل، وهنا وجب الانتباه وعدم التمسك به أو العيش بأقنعته وجره معنا ليقتنص فرص غياب الوعي ويحتل اللحظة وللفوز بالعمر. لابد من الحذر من الماضي ونقل نفاياته القديمة معنا أينما ذهبنا، فهذا يجعل الروح تدور في مدار اللاعودة وتبهت ويبهت معها أي جديد يرتبط به، فيهدر طاقتها باللوم والتحسر على ما كان. والحل للخروج من هذا المأزق هو التحرر من الماضي وآلامه حتى تظهر نسخة جديدة نظيفة للذات، حرة ليست رهينة تُقدم الماضي على أنه هويتها ومن دونه هي سراب الحاضر وضباب المستقبل، حين تفعل ذلك تزداد جمالا مع إصرارها على الامتنان لدروس الماضي والرجوع إلى الطفل الداخلي، وهو ما يجعلها تتصالح مع مشاكل الخارج وتقبل عيوب الداخل بالحب؛ فهو المعالج الوحيد لكل انهيارات تواجه الفرد في مختلف مراحل عمره. فالمحافظة على طاقة المحبة هي خيط يوصل الذات إلى واحة السلام حتى تنهل من الإبداع وتفوز بقارب النجاة من الظلمات إلى النور. وهي نعمة وقوة خلاقة تنعم بالوفرة والوسع ورضا الإله وتوفيقه، وهذا يؤدي إلى اتزان داخلي يوقظ الجانب الأنثوي فينا ويعزز وجوده ويمنحنا السكينة ويفتح أبواب العطاء لمن حولنا مساعدة داعمة لا تعرضهم للخطر في الاعتماد علينا وإصرارنا على مدِّ يد العون لهم، لكن قبل ذلك علينا أن نعطي ذواتنا بكرم ونسد ثغرات الافتقار ونستشفي من الألم، بأن نأخذ منه التجارب ونسعد بخيارات الذات الإلهية؛ فهي خير قد يصعب علينا إدراكه في أوله؛ يبعدنا عن الضوضاء ويعيننا على استعادة طفولتنا ويعزز اعتمادنا على المخيلة في تحقيق أحلامنا. يهدينا الوضوح على رؤية الأشياء والقدرة على تصنيف البشر ويهبنا تفعيل أفكار إيجابية تتوقع ما يحدث ليس فقط لأنفسنا وإنما لغيرنا وذلك شرط توفر المعرفة الوثيقة به، وهذا ينطبق على المدن والقرى أيضا فلا شيء يبقى على حاله فالتغيير سنة كونية تضم البشر والأشياء معا، ويعطينا الشجاعة بأن نقول “لا” والناس تنتظر “نعم”، ونصبح أكثر إدراكا أن الإساءة للغير هي إساءة النفس لنفسها. وحين يغزونا الأرق نستسلم له لأنه بحد ذاته تفكير، فلا نفكر في شيء آخر. فسهر العشق مثلا، أو الهم، يأخذنا تياره دون توقف منا لمعرفة السبب ويظل يرافقنا كالحلم غير أن رفقة الأخير تعني وجوب تحقيقه.
ومهما مرت عجلة الزمن فهي تعيد الحكايات المتشابهة باستمرار وتمنح الفرص لتحرير أماني مقيدة ورد اعتبار في إعادة سيناريو قديم لتقيس مدى تعلمنا من الماضي، “الحياة قطار نتنقل عبر مقصوراتها“، وجميع ما نراه خلال مرورنا عبرها ليس مصادفة؛ هي أقدار مرتبة وأفكار عالقة في أذهاننا ترجمتها الصدف الغريبة. الإشارة إلى الحب بكلمة أحبك أو التغزل بالحبيب لا تعكسه، هناك كلمات وأفعال تجسده ولحظات تؤكده؛ فحين نحب شخصا ما، ولا أريد أن أكتب “بصدق”، فحالة الحب تلك كلمة جامعة لكل مظاهر الصدق، ربما من كثرة هيامنا به نشعر بارتياح الروح ودلالها في بحر أمانه، يعطينا اليقين أنه هناك تلاقِ قديم لم تحفظه الذاكرة لكنه موجود، وشعور الروح أنها فراشة محمية يطلق لها العنان لتسافر عبر عيني المحبوب تجوب العالم وتخرج من إطار الزمن إلى عصورٍ غابرة تعيش لحظات غريبة عنها وتستشفي بالواقع، تقتنص الفرص، يخلع الزمن تردده، تتفق الأرواح، تعبر من برزخ العشق المحموم من زاوية محددة، تعيش حيوات مضت، تتوحد في قمة الانصهار، وتعود بلذات ألم.

إن قوة هذه الرواية تكمن في صدورها في هذه السنوات والتي نعود فيها إلى الداخل لضرورة قصوى فرضتها طبيعة الحياة المعاصرة؛ فالانتباه إلى الذات والاهتمام بها وإعطاؤها الحب الكامل ينعكس على الخارج ويسهل التعامل معه بكل يسر، وبالرغم أن لبعض المثقفين رأي آخر من حيث أن “ألف” هو عنوان سابق لكتاب “خورخي لويس بورخيس” الصادر عام 1949 وهو أيضا متهم بالأخذ من التراث العربي الإسلامي، خاصة الكاتب محي الدين بن عربي، (1164-1240)-الأندلس، وأن رواية “ألف” لباولو كويلو هي دروس في التنمية البشرية، تحوي على رموز للصوفية وتناسخ الأرواح والكابالا في الديانة اليهودية، وتتسم أعماله بالسطحية، إلا أن الرواية من الكتب التي تحصلت على أعلى نسبة مبيعات على مستوى العالم، ويرجع ذلك في نظري إلى براعة الكاتب في نسج عميق لشخصيات الرواية بقوة أتاحت له الإبحار في ذات واحدة مختلفة في تعاطيها للأمور. وقد أوضح للقارئ كيف أن الصراعات الداخلية لها تأثيرات سلبية على رؤيته للأشياء والأشخاص وأن الذات البشرية تحتاج لإحياء وتغيير وتطوير وتجديد حتى تكمل مسيرة العطاء وتقدم رسالتها بكل حب ورضا، ويبقى التفاعل مع القديم والإلهام بعمل جديد لا يعد اتهاما.

(باولو كويلو روائي ).

ذة. نعيمة عبدالحميد / ليبيا



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.