كلاب “معكازين” / بقلم: ذ. محمد دوتركة / المغرب


إنها الخامسة صباحا مرة أخرى، الريح تعوي في الخارج وكلاب الميناء لم تنه بعد عرسها الذي بدأته البارحة، بكسل زحفت من وكري، و غسلت وجهي بماء المطر الذي كان باقيا بأحد الدلاء في الخارج. أخذت أدواتي و بسملتُ ثم سرت في الطريق. في هذا الوقت الميناء يكون خاليا ولا وجود إلا للكلاب و أنا، حتى و إن كنت أعيش عيشتهم و أن لا فرق بيننا. الشمس بدأت تلقي بخيوطها الذهبية على المكان، أخذت موضعاً في صخرة كبيرة وجلست أتدفأ لأطرد برودة الصباح.

بدأت طنجة تستيقظ في صمت فبدأتُ معها العويل و أصيح نحو هنا و هناك. “مسح الصباط خمسة دراهم/سيراجي عشرة دراهم”، دأبت على هذا العويل مدة طويلة قرب الميناء لكن لا أثر لزبون.. ضجرت وأخذ اليأس ينخرني ثانية، فحملت أدواتي وصعدت إلى “سور معكازين”، هذا المكان الواسع الحضن، الذي يضم المعطلين و المستخدمين و المتقاعدين و المعكازين و البغايا واشباه البغايا، كل الأصناف تجتمع هنا. وصلت فأخذت ركنا لي واستأنفت عويلي مرة أخرى. “مسح الصباط خمسة الدراهم سيراجي عشرة دراهم”. وبعد برهة من الزمن استقبلت أول زبون لي. رجلٌ ستّيني أبيض اللحية وأقرع الرأس، ملابسه نظيفة، لكن حذاءه بلعه الوحل كأنه هارب من مطاردة ثيران، ألقيت عليه التحية وإبتسمتُ ملء وجنتيّ “شنو نعملك أعمو مسح عادي ولا سيراج”، فرد بابتسامة هو الٱخر”عملهم كاملين أولدي”، فطلبت منه خلع الحذاء والجلوس ريثما أنتهي.

‏أخذت الحذاء والطاقة تدبّ في جسدي والابتسامة تملأ وجهي من فرط الأمل. آمل أنني سأحصل على بعض القروش تعينني على شراء كسرة خبز وقليل من الجبن، وتوفير البعض منها لدفعه في إيجار ذاك الوكر اللعين الذي أنام فيه، وكرٌ لا يصلح حتى لنوم كلب، بضع قطع من القصدير تشدها مسامير بعضها ببعض، بربكم أهذا مسكن. لكن ما باليد حيلة، فماسح الأحذية في هذه المدينة ذاك هو مكانه الطبيعي الذي يجب أن يكون فيه… ٱه كم أنت قاسية يا طنجة، لو كنت أجمع دموعي لأغرقتك من فرط الظلم الذي ألم بي.

أنهيت مسح حذاء الرجل الستيني وقدمته له، فأكرمني مقابل خدمتي ب عشرين درهماً، فشعرتُ بسعادة تخترق كل الٱفاق، فبهاته العشرين درهماً سأتمكن من شراء الخبز و سجائري الرخيصة. شكرته وبدأتُ العويل ثانية، هذه المرة أتى شاب عشريني ينتمي إلى جيلٍ لا هوّية له. صنف كل ما أعرفه عنه انه يسمى “بالمريولين” حتى هذا القاموس ينفر من هذا الإسم. نزع الحذاء و أخذ يدخن، و رحتُ أنا أمسح الحذاء بسرعة لأتمكن من التقاط زبون ٱخر، وفي غفلة مني أكثرت من السيراج فتشوه طرف الحذاء فغضب الشاب وأخذ يشتمني، اعتذرت كثيرا لكن فوران غضبه لم يهدأ فضربني على قفاي فدار بي المكان! و لم أعد أستطيع ان أشعر بوجودي، انصرف لمّا لاحظ أنني فقدتُ وعيي و لم أعد أتحرك. شعرت بقهرٍ شديد و بحكرة مريرة، فجمعتُ أشيائي والدموع تنهمر من عينيّ و عدتُ أدراجي للميناء. يا لوضاعة هذه المهنة وحقارتها!

‏وأنا في طريقي ذاك، وقفتُ عند بائع السجائر وأخذت سيجارة واحدةً لأحاول بها أن أتناسى ولو قليلاً، وما إن قاربت النزول إلى الطريق الكبير حتى دار بي شبان “السوق برا” مدمني الحشيش والأقراص، فقلّبوا جيوبي وأخذوا ما بها من قروش والسيجارة التي نويت تدخينها، و طالبوني بالمزيد فأقسمت بعدم وجوده. فانهالوا عليّ بالضرب والرفس حتى أدمى جسدي كاملاً، لملمتُ أشلاء ثوبي البالي وأخذت الكرسي والماسحة، و بدأت أتلوى في الطريق وشعور الألم يغزوني، وصلت قرب سارية وجسلت فغرقت في بكاء مرير لفرط ما يلحقني من الرفس والضرب في هاته المدينة العاهرة التي تسحقني كل يوم لشيء واحد فقط، وهو أنني لم أقبل أن أكون بطاليّا وأقلّب المزابل بحثًا عن الطعام، قاومت إرادتها وها هو ذا جزائي، وصلت للوكر بعد معاناة شديدة فألفيت أن صاحب البراكة أغلقها ونثر أشيائي بالخارج! يا لسخافة القدر و وضاعته! هذا الزمن، زمن المال، و هو وحده من يجب أن نصلي له آناء الليل وأطراف النهار. أخذتُ أشيائي المرمية وتوجهتُ قرب صخور المحيط هناك أخذتُ مكانًا لي ونمت ملتحفاً بالبرد والنجوم واليأس يعشش داخلي…

ذ. محمد دوتركة / المغرب



2 Replies to “كلاب “معكازين” / بقلم: ذ. محمد دوتركة / المغرب”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.